من البحث العلمي إلى الواقع
نداء وطني لمواجهة تحديات الأردن وخدمة المجتمع
لطالما كان البحث العلمي منارةً للتقدم البشري، يُرشد المجتمعات نحو حياة أفضل، ومجتمعات أقوى، ومستقبل أكثر استدامة. ومع ذلك، في أجزاء كثيرة من العالم، وخاصةً في منطقتنا، لا تزال هناك فجوة ملحوظة بين الأبحاث التي تُجرى في الجامعات والتحديات اليومية التي يواجهها الانسان. في كثير من الأحيان، ينتهي الأمر بالأبحاث مُخزّنةً على رفوف المكتبات أو منشورةً في المجلات الأكاديمية دون أن تجد طريقها إلى أيدي صانعي السياسات، أو قادة المجتمع، أو الأشخاص الذين قد يستفيدون منها أكثر من غيرهم. يمتلك الأردن، بباحثيه الموهوبين وجامعاته المرموقة، القدرة على تغيير هذا الواقع من خلال إعادة صياغة كيفية توجيه البحث العلمي، وتشجيع التعاون بين الجامعات والهيئات الحكومية والمجتمع المدني لمواجهة التحديات المُلحة التي تُميّز عصرنا. لا ينبغي أن يقتصر هدف البحث العلمي على الجوانب النظرية والفكرية فحسب، بل يجب أيضًا قياسه من خلال قدرته على تحسين نوعية الحياة وتقديم حلول عملية للمشكلات المُلحة.
إن التحديات التي تواجه البشرية اليوم معقدة للغاية بحيث يصعب على أي مؤسسة بمفردها حلها. فتغير المناخ، وندرة المياه، وانعدام الأمن الغذائي، والصحة العامة، والطاقة المستدامة، كلها قضايا تتجاوز الحدود الأكاديمية وتتطلب مناهج متعددة التخصصات. وهذا يجعل من الضروري للجامعات الأردنية إعادة تصور دورها، لا كأبراج عاجية معزولة عن المجتمع، بل كمحركات للابتكار مدمجة في تحديات الناس اليومية. ومن خلال تشكيل مجموعات بحثية متخصصة تركز على تحدٍّ واحد محدد في كل مرة، يمكن للجامعات تجميع الخبرات من مجالات مختلفة: الهندسة، والزراعة، وعلم الاجتماع، والسياسات العامة، والطب، وتوجيه معارفها المجمعة نحو نتائج عملية. وفي الوقت نفسه، يمكن للوزارات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني أن تكون بمثابة جسور، تضمن أن تعكس أجندة البحث الأولويات الحقيقية للمجتمعات وأن تُنفذ الحلول على أرض الواقع.
من أكثر الطرق فعالية لتسريع هذه العملية مراجعة ونقل المعرفة العلمية والتقنية العالمية. ينشر الباحثون حول العالم يوميًا نتائجهم في مجالات تنقية المياه، والطاقة المتجددة، والوقاية من الأمراض، وإدارة النفايات، وغيرها الكثير. بدلًا من إعادة اختراع العجلة، يمكن لمجموعات البحث الأردنية دراسة ما تم إنجازه في أماكن أخرى بعناية، وتقييم النجاحات والإخفاقات، وتكييف الممارسات الأنسب لظروفنا المحلية. هذا يوفر الوقت والمال. بدلًا من انتظار عقود من التجارب المحلية حتى تُثمر، يمكننا الاستفادة من الإنتاج العلمي العالمي، والتعلم من الدول التي واجهت تحديات مماثلة. لا يتعلق الأمر بالتقليد الأعمى للآخرين، بل بتكييف الابتكارات بذكاء مع بيئة الأردن وثقافته وموارده.
يتطلب تشجيع هذا النوع من البحث في الجامعات تعديل طريقة مكافأة أعضاء هيئة التدريس وترقيتهم. في الوقت الحالي، غالبًا ما ترتبط الترقيات الأكاديمية بعدد الأبحاث المنشورة في المجلات العلمية الدولية، بغض النظر عما إذا كانت هذه الأبحاث تُسهم في حل التحديات الوطنية. من خلال إعطاء أهمية أكبر للمشاريع التعاونية التي تُعالج القضايا المجتمعية المُلحة، يُمكن للجامعات تحفيز باحثيها على الخروج من المختبر والانخراط في المجتمع. يجب تقدير أطروحة الدكتوراه التي تُطور حلاً عمليًا لإعادة استخدام المياه في الزراعة، أو أطروحة الماجستير التي تُقيّم تطبيقات الطاقة المتجددة في المناطق الريفية، ليس فقط لجودتها الأكاديمية، بل لتأثيرها الاجتماعي أيضًا. يُمكن لهذا التحول في الأولويات أن يُنشئ تدريجيًا ثقافة بحثية جديدة في الأردن، ثقافة لا ترى المعرفة كغاية في حد ذاتها فحسب، بل كأداة للتغيير.
أدركتُ شخصيًا ضرورة هذا التحول خلال إجازتي الصيفية الأخيرة في مسقط رأسي، سحم الكفارات، أقصى شمال الأردن. تُعرف هذه المنطقة بأنها مهد أشجار الزيتون وإنتاج زيت الزيتون وغيرها من الاشجار، وهو إرثٌ توارثته الأجيال، ومصدر رزقٍ لعائلاتٍ. إلا أن ما رأيته هذا الصيف كان مُقلقًا. فقد تقلصت ثمار الزيتون على الأشجار إلى ما يُقارب ثلث إنتاجها المُعتاد. وتشققت التربة وجفت، نتيجةً مُباشرةً لتناقص هطول الأمطار وعدم انتظام هطولها لتناسب حاجة الموسم الزراعي. وبالمقارنة مع ما كان عليه الحال قبل عقدين من الزمن وأكثر، فإن الفرق صارخ، ولم يعد تغير المناخ نقاشًا عالميًا مُجردًا، بل هو موجودٌ بالفعل، واضحٌ في تشققات الأرض وتناقص معدلات الهطول المطري. وتؤكد الإحصاءات الرسمية ما يُعانيه المزارعون: ففي موسم 2024-2025، كان معدل هطول الأمطار في محافظة إربد أقل من 50% من المُعدل السنوي. هذه ليست مُجرد أزمة زراعية؛ إنها أزمة إنسانية تُهدد الأمن الغذائي، ودخل الأسرة، والنسيج الثقافي لمجتمعات بأكملها.
في مثل هذه الحالة، يصبح دور البحث العلمي جليًا. على سبيل المثال، يمكن لوزارة الزراعة ووزارة المياه التواصل مع الجامعات والمؤسسات البحثية الأردنية بتكليف محدد: إجراء مراجعة شاملة للابتكارات العلمية الحديثة في مجال تنقية المياه وإعادة استخدامها للري. ويمكن لفرق البحث تقييم كيفية نجاح الدول التي تواجه تحديات مائية مماثلة، في تطبيق أنظمة لامركزية لتنقية المياه في المناطق الريفية غير المتصلة بشبكات الصرف الصحي كما هو الحال في قرى شمال اربد. ويمكنها أيضًا دراسة كيفية دمج الطاقة الشمسية لتشغيل هذه المرافق، مما يقلل التكاليف ويضمن الاستدامة. ويمكنها أيضًا دراسة نماذج إدارة هذه المشاريع، من التمويل إلى المشاركة المجتمعية، ثم التوصية بما يناسب قدرات الأردن على النحو الأمثل. وهذا لن يسد الفجوة بين العلم والمجتمع فحسب، بل سيُظهر أيضًا القيمة الحقيقية للبحث عند تطبيقه لحل الاحتياجات الإنسانية الملحة.
ما يجعل هذا النهج قويًا هو كفاءته. فبدلًا من انتظار سنوات طويلة ومكلفة من التجارب العلمية بالمختبرات، يمكن للأردن الاستفادة من الحلول المجربة. يتيح لنا نقل التكنولوجيا تبني ما جُرِّب بالفعل، بمزاياه وعيوبه المعروفة، وتكييفه مع ظروفنا. يمكن لمشروع كهذا أن يُتوَّج بمخرجات متعددة: رسالة ماجستير، وأطروحة دكتوراه، وورقة بحثية منشورة، والأهم من ذلك، تطبيق عملي يُساعد المزارعين على إنقاذ أشجار زيتونهم وسبل عيشهم. ويمكن أن يُختتم المشروع بورشة عمل وطنية تجمع الباحثين ومسؤولي الوزارات والمزارعين والخبراء الدوليين لمناقشة النتائج وضمان أن تكون التوصيات، ليس فقط سليمة علميًا، بل واقعية اجتماعيًا واقتصاديًا أيضًا.
أزمة الزيتون والمياه ليست سوى مثال واحد على التحديات الملحة العديدة التي يواجهها الأردن. يمكن تطبيق نماذج تعاون مماثلة في مجال الطاقة المتجددة، حيث يمكن للجامعات دراسة الممارسات العالمية في إعادة تدوير الألواح الشمسية أو دمج طاقة الرياح صغيرة النطاق في المجتمعات الريفية. في مجال إدارة النفايات، يمكن للباحثين دراسة كيفية نجاح الدول في تحويل النفايات المنزلية إلى طاقة أو سماد، وتقييم إمكانية تجربة هذه الحلول في المدن الأردنية.
لكي تنجح هذه الرؤية، لا بد من تحديد الأولويات الوطنية بوضوح. ويتعين على الجهات الرسمية، سواءً الوزارات أو المجالس البلدية أو صناديق البحث الوطنية، وضع خارطة طريق للتحديات الأكثر إلحاحًا، وتحديد الجداول الزمنية، وتوزيع المسؤوليات. ويمكن للجامعات بعد ذلك تشكيل فرق متخصصة لكل تحدٍّ، بما يضمن رصد التقدم وترجمة النتائج النهائية إلى سياسات ومشاريع وخدمات. والأهم من ذلك، يجب على الحكومة أيضًا معالجة العوائق التشريعية والتنظيمية التي غالبًا ما تُبطئ الابتكار وتعيق تطبيقه على أرض الواقع. وهناك حاجة إلى إرشادات واضحة لضمان إدخال التقنيات الجديدة بأمان وفعالية مع حماية صحة المواطنين والبيئة. وإذا طُبّق هذا النموذج البحثي بشكل صحيح، فيمكنه أن يُحوّل الأردن إلى رائد إقليمي في مجال العلوم المُدمجة اجتماعيًا. كما سيعزز الرابطة بين التعليم العالي والمجتمع، مما يضمن شعور كل أردني بالفوائد الملموسة للبحث. كما سيُنشئ جيلًا جديدًا من الطلاب الذين لا يرون في عملهم الأكاديمي مجرد شرط للتخرج، بل فرصة للمساهمة في رفاهية مجتمعهم. وبمرور الوقت، قد يؤدي هذا النهج إلى تعزيز ثقافة التعاون حيث يعمل المواطنون والباحثون والمسؤولون جنبًا إلى جنب لبناء الحلول المهمة.
في جوهره، يدور هذا المقال حول إعادة تعريف دور الجامعة والبحث العلمي في مجتمعنا. يجب ألا تبقى الجامعات جزرًا معزولة تُنتج المعرفة لذاتها، بل يجب أن تصبح شريكاً حياً في السعي الوطني من أجل الاستدامة والمساواة والتقدم. بمواءمة البحث مع تحديات الحياة الواقعية، وباعتماد المعرفة العالمية مع تكييفها مع الاحتياجات المحلية، يمكننا ضمان أن يخدم العلم في الأردن البشرية بشكل مباشر. إن تشقق تربة سحم الكفارات، وأشجار الزيتون الذابلة، وتقلص موارد المياه، كلها تقرع الاجراس بأن وقت العمل قد حان. يجب أن يخرج البحث من المختبرات إلى الحقول والعيادات والقرى ومنازل الأردن. إذا نجحنا في إحداث هذا التحول، فلن نحمي حاضرنا فحسب، بل سنضمن أيضًا مستقبلًا أفضل للأجيال القادمة.
الجامعة العربية تدعو لدعم اجتماعي وإنساني عاجل لفلسطين
رئيس الوزراء يوعز بتأهيل شامل لمدرسة كفر سوم
الأهلي والفيصلي يفتتحان درع الاتحاد بانتصارين
ليفربول يسعى للانفراد بالصدارة أمام أرسنال
مايا دياب تعيد إحياء أغنية وردة بتوزيع عصري
رئيس الوزراء يدعم مركز الأمل للتربية الخاصة
الرباعي يهاجم الأغاني السطحية ويشكر فضل شاكر
ولي العهد للملكة رانيا: حفظك الله لنا وأطال في عمرك
العقبة تستضيف البطولة العربية المفتوحة الثالثة لصيد الأسماك
شات جي بي تي يؤكد أوهام رجل مضطرب قبل جريمته
الهند: ملتزمون بتحسين العلاقات مع الصين
بوتين يصل إلى الصين لحضور قمة منظمة شنغهاي للتعاون
الاحتلال يكثف تفجيره للمنازل في حيي الزيتون والصبرة
دعوة لمواطنين بتسديد مستحقات مالية مترتبة عليهم
التربية تحدد مواعيد الدورات التكميلية لجيل 2008
آلية احتساب معدل التوجيهي جيل 2008
آلاف الأردنيين مدعوون للامتحان التنافسي .. أسماء
تفاصيل مقتل النائب السابق أبو سويلم ونجله
قرار بتركيب أنظمة خلايا شمسيَّة لـ1000 منزل .. تفاصيل
مثول عدد من الأشخاص بينهم النائب اربيحات أمام مدعي عام عمان
تنقلات في وزارة الصحة .. أسماء
عمّان: انفجار يتسبب بانهيار أجزاء من منزل وتضرر مركبات .. بيان أمني
أول رد من البيت الأبيض على أنباء وفاة ترامب
وظائف حكومية شاغرة ودعوة للامتحان التنافسي
رسمياً .. قبول 38131 طالباً وطالبة بالجامعات الرسمية