ثمن أكاذيبنا
15-10-2025 12:31 PM
في كتابه الذي يحمل نفس هذا العنوان، يقدم إدوار فيليب، رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق وأحد المرشحين المحتملين لرئاسيات 2027، تأملا عميقا في تجربة بلاده خلال جائحة كوفيد 19، التي عاش جزءا منها كمسؤول سياسي. لكن جوهر أطروحته يتجاوز الوباء ليصل إلى عمق العلاقة بين الدولة والمجتمع في لحظات الأزمات. لذلك يوجه، من خلال الكتاب، دعوة صريحة إلى الوضوح، وإلى التحرر من التبريرات السهلة والمواقف الجاهزة، وعدم تجنب أي سؤال أو أي مراجعة ذاتية، وقول الحقيقة كما هي، من أجل التمكن لاحقا من فعل ما يجب فعله. كما يدعو إلى رؤية الواقع كما هو، لا كما نرغب في أن يكون.
في هذا الكتاب، الذي يمكن اعتباره جزءا من خطاب سياسي استعدادا للمستقبل، وخاصة في سياق الانتخابات الرئاسية القادمة، ينتقد فيليب بشدة ما يعتبره الأساطير التي ينسجها السياسيون والمجتمع، أي تلك القصص الجميلة والمطمئنة والمجيدة التي تغرس فينا لتمنحنا شعورا زائفا بالطمأنينة، وتدفعنا إلى الاستسلام للراحة بدل مواجهة التحديات الحقيقية. هذه القصص، يقول، "تساعدنا على النوم"، لكنها في الواقع تعطل قدرتنا على ابتكار حلول فعالة لمشكلات البلد. وبينما نغرق في الأكاذيب التي نرويها لأنفسنا، يضيف مؤسس حزب (Horizons)، نجد أن الآخرين ـ دولا ومجتمعاتٍ وأفرادا ـ يتقدمون ويبتكرون ويتكيفون مع المتغيرات، ويرون الواقع كما هو، ويستعدون للمستقبل.
تتلخص الفكرة المحورية في الكتاب في أن الخوف من قول الحقيقة للمواطنين، بدعوى الحفاظ على الاستقرار أو تفادي الذعر، لا يؤدي إلا إلى تقويض الثقة العامة، وتحويل الأزمة الصحية إلى أزمة سياسية وأخلاقية. ذلك أن ما يتم فقدانه في لحظة كتمان الحقيقة لا يعوض بسهولة، لأن الثقة، حين تتصدع، تفتح الباب أمام شك دائم في الخطاب الرسمي ومصداقية المؤسسات.
هذه الفكرة، وإن انطلقت من التجربة الفرنسية، تكاد تصف بدقة ما يعيشه المغرب اليوم وما تعيشه بلدان أخرى مشابهة. فـ"الأكاذيب" ليست بالضرورة تصريحات خاطئة، بل هي تلك المسافة المتزايدة بين الوعود والخطوات، بين لغة الإصلاح وممارسات الاستمرار، بين خطاب التنمية والواقع الاجتماعي. فطوال سنوات، تكررت وعود التشغيل والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والحد من التفاوتات والكرامة والحقوق والحريات والديمقراطية، لكن ما تحقق على الأرض ظل محدودا، وكأن الكلمات تسبق الأفعال بخطوات كثيرة. وحين يتكرر الوعد دون نتيجة، يتحول إلى عبء، وتتحول اللغة الرسمية نفسها إلى مصدر للريبة.
جيل Z الذي عبر عن غضبه في الشارع خلال الأيام الماضية ويستعد ليواصل هذا الغضب خلال الأيام القادمة ليس حركة طارئة أو نزوة احتجاجية، بل هو نتيجة طبيعية لمسار طويل من الوعود غير المكتملة. إنه جيل نشأ في عالم مفتوح، يرى ويقارن، ويتابع في لحظة واحدة ما يحدث في بلده وما يجري في العالم. وحين يكتشف التناقض بين الصورة التي تقدمها الدولة عن نفسها وبين الواقع الذي يعيشه، يفقد الإيمان بالسردية الرسمية. لا يطالب هذا الجيل بالمستحيل، بل بما هو بديهي، أي أن تقال الحقيقة كما هي، وأن يعترف بحدود ما تحقق وبما تعثر.
لقد شكل دستور 2011 لحظة كان يفترض أن تفتح فيها صفحة جديدة في علاقة الدولة بالمجتمع، لكنه تحول تدريجيا إلى "مرجع تبريري" أكثر منه قاعدة فعلية للتغيير. وهنا تكمن المفارقة: حين تستعمل لغة الإصلاح لتبرير الركود، يفقد الخطاب السياسي قدرته على الإقناع. فالأكاذيب ليست دوما ما يقال، بل أحيانا ما يخفى أو ما يعاد تدويره في صيغة مطمئنة تخفي عمق الأزمة. ومع مرور الوقت، تتراكم هذه "الأكاذيب الصغيرة" حتى تصبح جدارا من عدم الثقة يفصل الدولة عن مجتمعها.
التجربة الفرنسية التي تحدث عنها فيليب تكشف أن الخوف من المصارحة، مهما كانت دوافعه، يفاقم الأزمات. وفي السياق المغربي، يبدو أن الخوف من قول الحقيقة السياسية والاجتماعية يؤدي إلى النتيجة نفسها، أي تآكل الثقة وتنامي الشعور باللامعنى. فحين يقدم التبرير بدلا من الاعتراف، وحين يستعمل خطاب الارتياح بدل الوضوح، يصبح الصمت أكثر خطورة من الكلام.
"ثمن الأكاذيب" هنا ليس استعارة، بل توصيفا لمسار كامل. فحين تبنى السياسات على التجميل الإعلامي أكثر من الجرأة المؤسسية، وحين يقدم الاستقرار بوصفه بديلا عن الحقيقة، يبدأ الانفصال بين الدولة ومواطنيها في التوسع. ومع كل خطوة إضافية في هذا الاتجاه، ترتفع كلفة استعادة الثقة. وما نراه اليوم من احتجاجات شبابية ليس سوى تجسيد لفاتورة مؤجلة، لسنوات طويلة من الالتفاف والتأجيل.
ربما الدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه من تجربة العمدة الحالي لمدينة لوهافر هو أن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، هي أقل كلفة من الكذب السياسي. فالثقة لا تبنى بالإنكار، بل بالمصارحة، ولا تستعاد بالطمأنة، بل بالاعتراف. والمجتمعات التي تتجرأ دولها على قول الحقيقة في الوقت المناسب، ولو كانت صعبة، هي التي تنجح في تجاوز أزماتها بأقل الخسائر. أما المجتمعات التي تؤجل المكاشفة، فتنتهي إلى دفع ثمن أكاذيبها دفعة واحدة، كما يحدث اليوم في أكثر من مكان.
هكذا، يبدو أن السؤال الذي طرحه إدوار فيليب لفرنسا يصلح أن يطرح اليوم في المغرب: كم مرة يمكن للدولة أن تطلب من مواطنيها الثقة، من دون أن تقدم لهم الحقيقة؟
أسعار الذهب ترتفع عالميًا .. هل حان وقت الشراء أم البيع
بعد هروب دام أسبوعين .. زرافة تعود إلى منزلها وتُعاقب بطريقة غير متوقعة
ماذا يحدث للديمقراطية البريطانية؟
البطيخ الأحمر: أبعد من سعار إسرائيلي
لليوم الرابع .. توقف موقع جامعة اليرموك يثير تساؤلات مع بدء السحب والإضافة
فرنسا تخطف بطاقة ربع نهائي مونديال 2026 بهدف قاتل .. ومواجهة نارية تنتظرها أمام المغرب
الأردن يُجلي 21 مواطنا أردنيا من فنزويلا
تطورات قضية شطب عضوية صبا مبارك و20 فنانًا .. وهذا رد نقابة الفنانين الأردنيين
الأهلي السعودي يعلن رحيل الجزائري رياض محرز عن صفوفه
مع طقس الصيف في الأردن .. 7 أخطاء في شراء وتخزين مياه الشرب قد تهدد صحة الأسر
ذهب وملابس داخلية ذهبية تهز العراق .. ماذا يحدث؟
حادث مأساوي يودي بحياة شاب أردني في الولايات المتحدة
الصحافة الأجنبية تعلق على مباراة الأردن والأرجنتين .. ماذا قالت عن أبو ليلى وهدف ميسي
ماذا حدث لمتّبعي نظام الطيبات؟ أطباء يحسمون الجدل والأرقام تكشف المفاجأة
توقعات الذكاء الاصطناعي لبطل مونديال 2026 .. المرشح الصادم
هبة مجدي تكشف أزمتها الصحية وتخوض رحلة علاجية ضد السرطان
أفضل سيارة كهربائية في الأردن 2026 .. مفاجأة صينية تتفوق على المنافسين بالسعر والمواصفات
رحيل بطل مسرحية 'شاهد ما شفش حاجة'
موعد مباراة مصر وأستراليا في كأس العالم 2026 .. التوقيت والقنوات الناقلة والبث المباشر
استقالة خالد البكار .. هل تؤسس أول استقالة بسبب تضارب المصالح لمرحلة جديدة من المساءلة الحكومية؟
السجن خمس سنوات لمحاسب في الجمعية العلمية الملكية بتهمة الاختلاس
غرامات تصل 3000 دينار لمخالفي تعليمات إخفاء السجائر
