سوريا بين انهيار الدولة وصعود الفاعلين الجدد
منذ عام 2011، دخلت سوريا مرحلة غير مسبوقة من التحولات العاصفة، تحوّلت فيها من دولة مستقرة — رغم مشكلاتها البنيوية — إلى ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل الإقليم. كان تفكك مؤسسات الدولة وانهيار البنية الاقتصادية والإنسانية الشرارة التي دفعت بالقوى الإقليمية والدولية لملء الفراغ، ما أدّى إلى تداخل الصراعات المحلية مع حسابات جيوسياسية واسعة تتجاوز قدرة الداخل السوري على التحكم بها.
قبل 2011، ورغم هشاشة الاقتصاد السوري واعتماده على الريع وضعف الإنتاج، كانت الدولة تحتفظ بسيادتها المالية؛ فلا ديون لصندوق النقد الدولي، ولا وصاية اقتصادية خارجية، ولا تحتاج إلى مؤسسات دولية في صياغة سياساتها الاقتصادية. لكن ما بعد الحرب تغيّر كل شيء: أصبحت سوريا اليوم دولة متهالكة، ومديونة، ومدمّرة، ومشرذمة، تحتاج إلى إعادة إعمار شاملة تتطلب مئات المليارات، دون أن تملك أدوات السيادة أو القدرة على اتخاذ القرار المستقل.
من أهم التحولات التي أثّرت في الإقليم كان قطع الكوريدور الذي يربط إيران بحزب الله عبر سوريا، وهو الشريان الاستراتيجي الأهم لمحور المقاومة منذ التسعينيات. هذا الانقطاع — الذي فرضته السيطرة المتقلبة على الأرض — أدى إلى تراجع في فعالية هذا المحور، وأحدث خللاً في معادلة الردع، وسمح لإسرائيل بالتحرك بحرية أكبر ضمن الأراضي السورية، ما جعل جبهة المقاومة أضعف مما كانت عليه في أي وقت منذ عقود.
شهدت سوريا خلال سنوات الحرب تدخلاً من عدد ضخم من الدول والقوى: تركيا، والولايات المتحدة، وروسيا، وإيران، وأوروبا، والخليج، إضافة إلى إسرائيل التي استغلت الظرف لتوسيع نطاق تدخلها والتمدد في الداخل السوري. وهنا يجب التأكيد أن الهدم سهل، وسريع، ويتطلب قوة أقل؛ أمّا البناء فهو الأصعب، والأطول، والأكثر كلفة — وهو ما يجعل مهمة أي قيادة جديدة في سوريا مهمة شبه مستحيلة في ظل هذا الحجم الهائل من التشظي والتدخلات.
ما بعد سقوط النظام في ديسمبر 2024 لم يكن نتيجة تغيير داخلي بحت، بل نتاجًا لتبدل الإقليم ذاته: انكماش الدور الروسي بسبب حرب أوكرانيا، والتراجع الإيراني، والتقدم التركي المدعوم بتمويل قطري، والانهيار الاقتصادي والاجتماعي داخل سوريا. في هذا المشهد ظهر أحمد الشرع كأحد أبرز الفاعلين الجدد، لا بوصفه قائدًا مطلق القرار، بل نتيجة تشكّل معادلة جديدة تُدار أساسًا من الخارج.
تظهر الأزمة الأكبر اليوم في أن سوريا باتت تسير نحو تبعية اقتصادية كاملة؛ إذ إن صندوق النقد الدولي هو الجهة التي تحوز أدق البيانات الاقتصادية السورية، وهو الذي سيقود — عبر البنك الدولي — صياغة السياسات الاقتصادية القادمة. وهذا يعني أن البنك المركزي السوري سيكون في مرحلة ما تابعًا لهذه المؤسسات، وأن النموذج الاقتصادي القادم سيكون قائمًا على المزيد من الديون، والمزيد من التبعية، والمزيد من إضعاف السيادة الاقتصادية — وهي صيغة لا يمكن أن تصنع استقرارًا حقيقيًا في بلد يخرج من حرب بهذا الحجم.
في هذا السياق، تنتشر مقارنة إعلامية مضلِّلة بين أحمد الشرع والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لكنها مقارنة خاطئة منهجيًا؛ فأردوغان جاء إلى دولة قائمة، بجيش موحد، وبنية تحتية متماسكة، واقتصاد واعد، وحزب سياسي واضح المعالم. أما الشرع، فيأتي إلى دولة بلا مؤسسات، بلا بنية تحتية، بلا اقتصاد، وبلا جيش موحد، وفي بيئة شديدة التعقيد، إضافة إلى أن أردوغان سياسي براغماتي بمرجعية إسلامية معتدلة، بينما الشرع يقدّم نفسه بمظهر ديني صريح قد يدخل في تناقض مباشر مع شروط القوى الدولية والإقليمية.
إن المظهر الديني للشرع يضعه أمام معادلة حساسة: إمّا أن يصطدم مع القوى الدولية الرافضة لأي صعود إسلامي مسلح، أو يقدم تنازلات تشوّه صورته أمام قواعده، أو يدخل في صراع بين الحفاظ على هويته من جهة، والتقارب مع الدول الداعمة من جهة أخرى. هذه المعضلة ليست فكرية فقط، بل سياسية وأمنية واقتصادية، وقد تنفجر عند أول نقطة احتكاك مع القوى الفاعلة في الداخل والخارج.
تواجه القيادة الجديدة أربع معضلات مصيرية: الشرعية الدولية، والتمويل، وبناء المؤسسات، وإدارة التوازنات الخارجية. إعادة الإعمار وحدها تحتاج إلى 400–500 مليار دولار، وهو مبلغ لا يمكن تأمينه دون قبول سياسات قاسية تفرضها الجهات الدولية. وفي ظل التنافس بين تركيا وأميركا وروسيا وإيران وإسرائيل وقوى عربية، تبدو عملية الحكم في سوريا أقرب إلى لعبة توازنات دقيقة من أن تكون سلطة مستقلة تستطيع فرض رؤيتها بحرية.
إن سوريا اليوم تقف أمام لحظة وجودية: فإعادة البناء ليست مجرد إعادة عمران، بل إعادة صياغة الدولة والمجتمع والهوية والاقتصاد والعقد الاجتماعي. لا الشرع ولا غيره قادر على تجاوز هذه التحديات بسهولة؛ فالمطلوب ليس قيادة جديدة فقط، بل مشروع وطني عابر للطوائف والجبهات، قادر على توحيد الداخل وفرض حد أدنى من السيادة في مواجهة الخارج. وهذه مهمة لا يصنعها فرد، بل يصنعها تحوّل تاريخي شامل يشارك فيه الشعب والدولة والمجتمع الدولي معًا.
بلديات المملكة تستقبل الأمطار بإجراءات وقائية
عصابة باريو 18 تشعل الفوضى في سجون غواتيمالا
مؤتمر في إربد حول المرأة ودورها في التحديث
نيوجيرسي تحظر الهواتف الذكية في المدارس
النائب القباعي: شركات كهرباء أقرت بتقسيم فاقد الكهرباء على المشتركين
محمد رمضان يكشف استبعاده من الغناء في نهائي كأس أمم إفريقيا 2025
مديرية الأمن العام تحذر من الاستخدام الخاطئ للتدفئة
غرينلاند نموذج جديد لصراع الموارد والسيادة
دعاء اليوم الرابع من رمضان 1447
المغرب ينظم كأس أفريقيا .. استثنائية وتاريخية
رصد 200 بركة زراعية في جرش وإجراءات للحد من مخاطرها
حين يصبح البيت فخاً: اختناق بلا صوت ولا رائحة
جنوب إفريقيا تعلن كارثة فيضانات
إطلاق برنامج تدريبي لتعزيز التواصل الصحي مع ذوي الإعاقة
حوادث اختناق متكررة في المملكة .. وفيات مؤلمة وتحذيرات متجددة

