في مستشفياتنا… المرض أقل إيلاما من الإجراءات

في مستشفياتنا… المرض أقل إيلاما من الإجراءات

08-01-2026 12:28 AM

الدخول إلى مستشفى حكومي في الأردن لا يشبه الدخول إلى مؤسسة صحية بقدر ما يشبه رحلة شاقة مليئة بالتعب والألم والمعاناة، ليس سببها المرض وحده، بل ما يرافقه من إجراءات مرهقة، نتيجة لكثرة حالات اللف والدوران بين الشبابيك والابواب والكاونترات وانتظار طويل ومعاناة كان من الممكن اختصارها بتقنيات بسيطة لو طُبّقت فعليا لا شعاريا.
المراجع الذي يصل إلى المستشفى مثقلا بالألم والقلق، يُفاجأ منذ اللحظة الأولى بأن عليه حمل ملف ورقي سميك، يطوف به بين العيادات، والمختبرات، والأشعة، والصيدلية، وكأننا ما زلنا نعيش في عقود مضت، لا في زمن الحديث فيه مستمر عن “الحكومة الذكية” و”الخدمات الحكومية بلا جهد”.
الأكثر إيلاما ليس الاعتماد على الورق بحد ذاته، بل غياب الربط الإلكتروني بين المستشفيات والمراكز الصحية والمؤسسات الطبية المختلفة. فالمريض الذي أجرى فحوصات في مستشفى حكومي، أو لديه تاريخ مرضي موثق في مركز صحي تابع لوزارة الصحة أو للخدمات الطبية أو للجامعات، يُطلب منه في كل مرة أن يعيد القصة من البداية، وأن يُجري الفحوصات ذاتها، لأن النظام لا يرى ما هو موجود في مؤسسة أخرى.
هذا الانفصال الرقمي لا يرهق المريض فقط، بل يهدر الوقت والمال والجهد، ويزيد الضغط على الكوادر الطبية، ويُثقل كاهل النظام الصحي بتكرار الإجراءات، بدل توجيه الموارد نحو تحسين جودة العلاج والرعاية.
المفارقة المؤلمة أن الخطاب الرسمي لا يتوقف عن الحديث عن التحول الرقمي، وعن الحكومة الذكية، وعن منصات إلكترونية متقدمة، في حين أن أبسط حق للمريض – وهو أن تكون بياناته الطبية محفوظة ومترابطة وآمنة – ما زال غائبا أو مجزأً أو محصورا في ملفات ورقية معرضة للفقدان والتلف.
التحول الرقمي في القطاع الصحي ليس ترفا، ولا مشروعا تجميليا، بل حاجة إنسانية وأخلاقية قبل أن تكون تقنية. فالمريض لا يبحث عن تطبيق جديد أو شعار أنيق، بل عن رحلة علاج كريمة، سلسة، تحفظ وقته وكرامته، وتخفف ألمه بدل أن تضيف إليه ألما إداريا.
إن الحديث عن “خدمات بلا جهد” يفقد معناه عندما يُترك المريض يتنقل بين النوافذ، ويعيد الفحوصات، ويحمل أوراقه بيده، ويُعامل كأنه نظام مستقل لا جزء من منظومة صحية وطنية متكاملة.
ما يحتاجه القطاع الصحي الأردني اليوم ليس مزيدا من الوعود، بل قرارا جريئًا بتوحيد السجلات الطبية إلكترونيا، وربط المؤسسات الصحية كافة، ووضع المريض في قلب الخدمة لا في آخر طابور الإجراءات. عندها فقط، يمكن أن نصدق أن الحكومة الذكية لم تعد شعارا… بل واقعا يلمسه المواطن في أكثر لحظاته ضعفا وحاجة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد