نافذة على الامس

نافذة على الامس

09-01-2026 08:49 PM

عندما تجد نفسك حبيس البيت بسبب الأمطار والبرد القارس الذي يهاجم بيتك في ظل غياب شبه تام لدفاعات التدفئة، تتشرنق في بطانية من مخلفات العسكر في سبعينيات القرن الماضي.
هذه الليلة تختلف عن ليال كثيرة عشتها و ربما عاشها أصدقاء كثر تشاركت معهم ذكريات كاد غبار السنين أن يكون فوقها طبقة من النسيان عازلة للتذكر لكن الامطار غسلت أجزاء منها وبت أراها وكأنها الآن ظهرت لي صفحة جاهدت طويلا كي أفك طلاسمها، ثمة بيوت من الشعر في أرض تخلو من البشر بإستثناء أهل هذه المنازل التي تقاوم شتاء كشتاء هذه الليلة حيث الرياح تزمجر بينما الكل قابع على دفء النار المزودة(بقرامي) الزيتون البري والضماخ.
يجلس الكبار يتبادلون الحكايات على وقع أصوات الرعود يشربون الشاي والقهوة السادة ويدخنون الهيشي ويستمعون لأخبار الراديو ويعيرون اهتماما للعمليات التي ينفذها الفدائيون في العمق المحتل، أما من لا يدخن فالدخان المنبعث من الحطب الأخضر والقرامي المبتلة تعطيه جرعة من الاختناق كتلك التي يعانيها كل من حوله من المدخنين. أمثال أبي زاهي و والدي وأبي سليمان وأبي صيته وأبي حميد الذي يقبع هو الآخر على مرمى حجر من هولاء في بيته ومع مواشيه.
أبو صيته كان بالنسبة لي ولصديقي حمدان أشبه بصندوق تسلية وكان له ضحكة مميزة متقطعه( به به بيه) حتى أنني وحمدان كنا نسميه إبراهيم البهبهاني ومن محاسن الصدف أن كاتبا كان يكتب بالصحافة اللندنية اسمه ابراهيم البهبهاني.
كانت مهمة الأمهات تشغيل راجمات الأدعية والابتهال الى الله أن يحفظ البيوت والحلال والأولاد وتتمثل هذه الأدعية ب(الرحمة الرضية) يا رب و اللهم أعطنا بره واكفنا شره وغيرها من الأدعية التي بت لا أذكرها لتشظي الذاكرة واعتلاء طبقة من غبار النسيان فوقها أما الصغار من الأولاد فقد كانت تجحظ عيونهم عند سماع الرعد خاصة اذا ما اقترن الصوت بإيقاع البرد الذي يقصف ظهر بيوت الشعر لكن الطامة الكبرى تقع إذا ما انشلع أحد أوتاد البيت المثبتة بالأرض وسط هذه الاجواء المسترسلة بالأمطار والرياح الشديدة ما يجعل كل من في البيت أشبه بخلية النحل فيهب الكبار رجالا ونساء لإصلاح هذا العطل وبعد الإنتهاء من المهمة يتعرض رب البيت لسيل من اللوم الذي تطلقه الزوجة لأنها ذكرته قبل الشتاء أن الوتد الفلاني ضعيف ويجب استبداله. كان صديقنا عاطف أبو حميد يشاركنا هذا الهم وهذا الصراع مع الطبيعة أيضا، كان يبعد عنا مسافة لكنه يعيش حالنا، لكننا ننسى كل شي إذا ما اجتمعنا صبيحة اليوم التالي في المدرسة كان علينا أن نمشي من خمسة الى ستة كيلومترات للوصول إلى المدرسة والويل كل الويل لمن وصل متأخرا عن الطابور الصباحي فعقابه إما وجبة من الضرب على الأيدي بعصا الرمان أو فركة أذن مصحوبة بكف وأحيانا يضاف لهذا كله(شلوط) مع تهديد بتغليظ العقوبة في الفترة القادمة.
شخصيا حصة الرياضيات كانت تشكل لي منعطفا خطيرا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن مادة الرياضيات كانت تتألف من الجبر والحساب والهندسة والطامة الكبرى بالهندسة التي كنت أتندر فيها وأقول عنها (طقلشة) مايجعل صديقي عاطف ابو حميد يغيب من الضحك.
الاسترسال في هذه الذكريات يؤلم الروح ويجهد النفس فالحياة سرقتنا، منا من رحل ومنا من أتعبه المرض ومنا من غاب في بوتقة النسيان ومنا من تقاعد من المهنة، فصديقي حمدان تقاعد طبيبا أما صديقي عاطف فلا زال يمارس مهنة المحاماة وهو يهددني بين الفينة والأخرى إذا ما وقعت تحت يديه بأية قضية كانت فلن يرحمني.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد