استراتيجية ترامب واشواك القنافذ

استراتيجية ترامب واشواك القنافذ

09-01-2026 08:54 PM

صحيح أن عين الصقر الشمولية يمكنها رصد الدمار الذي تحدثه الحروب على الأرض من علٍ فتحدد الشكلَ الخارجيّ للصراع؛ لكن التنقيب في الجوهر فقط هو من يحدد قوة الدوافع والأسباب الحقيقية الكامنة في عقول القادة وفلاسفة الحروب؛ الأمر الذي من شأنه تفسير الخبايا في السرديات الكبرى التي تتحكم بمخرجاتِها الأضاليلُ التي يفرضها الطرف الأقوى في ظل سيادة قانون الغاب.
إن الحربَ العالميةَ الثالثة محتملةٌ حينما يجد الخصومُ الدولييون أنفسَهم في الزاوية.. وكل ما تحتاجه فقط، هو عود كبريت، يشعله متهورٌ لا يكترث بالقانون الدولي، في هشيم العلاقات الهشة بين دول العالم.. فلو قُدِّرَ لها أن تكون، ستشتعل بفعل الأفكار المراوغة التي تعربد في عقول زعماء متهورين تتحكم بهم النفعية الميكافللية المقيتة، لاهثين خلف السرديات التي يتمازج فيها الواقع بالأساطير الدينية.
وخير مثال على ذلك، مجرم الحرب نتنياهو المدان من قبل محكمة الجنايات الدولية، ومشروع "إسرائيل الكبرى" الموروث عن الصهيونية الجديدة لجيبوتسكي 1940، أو ما يطلقُ عليه ترامبُ مشروعَ "الشرق الأوسط الجديد" المدعوم من قبل المسيحية الصهيونية الداعمة ل"إسرائيل"، رغم أن الأجيال الأمريكية الجديدة أخذت بالإنصراف عنها نحو تفهم حقوق الفلسطينيين المهدورة.
أيضاً طموحات الرئيس الروسي بوتين والقومية الأوراسية التي تقوم على الأرثوذكسية الروحية والقومية الأوراسية.
كذلك ترامب صاحب قانون "فائض القوة الأمريكية" الذي أعلن عنه بغية تنفيذ الوصاية الاقتصادية السياسية الأمنية على الأمريكيتين.
ناهيك عن الزعيم الصيني الاستثنائي شي جين بينغ وسياسة التمدد الصيني القائمة على التجارة البينية وطرح فرص الاستثمار التشاركي الربحي الآمن مع دول العالم دون فرض أثمان سياسية.
وللعلم فإن حماية المصالح قد هيأت فرص التحالف الاستراتيجي القائم على التعاون بين الصين وروسيا ضمن منظمة بريكس لمواجهة الهيمنة الأمريكية الطاغية على العالم، أيضاً فإن التحالف الإسرائيلي الأمريكي قد اتخذ الصفة الطفيلية لصالح "إسرائيل" التي باتت تسبب الحرج للولايات المتحدة وحلفائها العرب في الشرق الأوسط.. بسبب إشعالها للحروب في الشرق الأوسط.. وتوريط الأمريكيين فيها مع إخفاق الاتفاقيات الإبراهيمية في تشجيع دول عربية وإسلامية جديدة للدخول فيها.
مع أن الدعم الأمريكي ل"إسرائيل" يحسب لدى الإنجيليين الأمريكيين كواجب دينيّ مقدس، إلا أنه بالنسبة للأجيال الشابة التي تؤمن بشعار "أمريكا أولاً" بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية، فإن هذا الدعم المكلف وغير المبرر، بات يمثل عبئاً على مستقبل الولايات المتحدة.
ولولا حاجة ترامب إلى دعم اللوبي اليهودي إيباك في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقبلة في 3 نوفمبر 2026؛ لخفف من ارتباطه بهم، حيث حذرهم في أكثر من مناسبة بأن دعم الكونغرس لليهود بات الأقل في غضون 15 عاماً.. لا بل أن ثلث يهود نيويورك انتخبوا الخصم اللدود ل"إسرائيل" زهران ممداني.
هؤلاء القادة العالميون يفهمون بعضهم.. وخاصة ما يجمع الزعيمين بوتين وترامب من علاقة يكتنفها الغموض! إلى درجة أن محللين وصفوا ترامب بأنه مصاب ب"رهاب بوتين"؛ لكن الرجل البرتقالي الذي من الصعب توقع أفكاره، أخذ يستمد من قانون "فائض القوة الأمريكي" ما يلجم كل زعماء العالم، وكأنه سوبرمان حقيقي!
لذلك تم استيلاء القوات الأمريكية على ناقلة نفط روسية محملة بالنفط الفنزويلي في الأطلسي دون اكتراث بالغضب الروسي المتوقع.
من جهته، فإن مستشار الرئيس الروسي، الفيلسوف ألكسندر دوغين المُنَظِّرْ لسياسة بوتين، كان قادراً على قراءة أفكار ترامب وتوقع مآلاتها، وبالتالي تقديم قراءة استثنائية على ضوئها لمستقبل العالم في ظل الطموحات القومية الروسية الأوراسية، التي تقف في مواجهة الغرب برمته من خلال الحرب على أوكرانيا المدعومة من الناتو.
حيث شَخَّصَ دوغين، الترامبية المتصاعدة التي يقودها الرئيس الأمريكي ترامب واصفاً إيّاها ب"الثورة الترامبية" التي انقلبت على ثوابت الشرعية الدولية وتجاوزت في بعض جوانبها الدستور الأمريكي لعام 1791.. وأبدت فتوراً إزاء علاقتها بالاتحاد الأوروبي مع مطالبته بعدم توسيع نطاق الناتو وضرورة اعتماد أوروبا على نفسها في التسليح.
*مصير البشرية والترامبية
المراقبون في العالم يدركون كيف أن ترامبَ بات يتزعمُ عصابةً من رجال الأعمال الذين انسحبوا من المدن المكتظة بالبشر إلى المعسكرات الخاضعة للحراسات المشددة، لإدارة شؤون البلاد، في سياق الرأسمالية المتوحشة التي تتعامل مع البشر كمجموعات هامشية تتحكم بها خوارزميات رقمية معقدة، عبر الفضاء الرقمي المفتوح على المجهول، والذي دخل في حيز سلطاتهم السياسية والإعلامية، لتساعدهم التقنيات التكنلوجية فائقة التقدم في برمجة عقول الأجيال الشابة وكسر الثوابت.
وبالتالي تهميش البشرية في ظل سيادة الآلة الرقمية وتكنلوجيا الذكاء الاصطناعي؛ حتى بات الإنسان عبئاً على النخبة التي تخطط لمستقبل يتفرد به مليار مواطن متفوق، ما يستلزم إبادة الممكن من المجاميع البشرية، بواسطة افتعال الحروب المدمرة ونشر الأوبئة الفتاكة، التي تنتجها المختبرات مثل عائلة فيروس الكورونا.
هؤلاء المطورون العقاريون أنيطت بهم مهمة تحويل العالم إلى مجرد عقارات وثروات خاضعة للتفاوض دون اكتراث بالقانون الدولي وحقوق الإنسان، حتى أن رئيسهم البرتقالي بات لا يكترث أثناء اتخاذه للقرارات بتوصيات الكونغرس الأمريكي، فيتصرف إزاء ذلك وكأنه الملك، حامل الصولجان، وصاحب الصلاحيات المطلقة، وراعي النخبة البيضاء.
*عقدة القنفذ واختطاف مودورو
بدأت الترامبية بشعار "أمريكا أولاً" متضمنةً استراتيجيةٍ جيوسياسيةٍ توسعيةٍ تقوم على رؤية أن شؤون القارتين الأمريكيتين إنما هي شأن أمريكيّ صرف، ويجب أن يخضع للأولويات الأمريكية، معتبرة أن القرب الجغرافي يجعل الاستقرار في هذه المنطقة امتداداً مباشراً للأمن القومي الأميركي.
وتعتمد الاستراتيجية على إعادة إحياء صريحة تقريبا لـ"مبدأ مونرو"، الذي أعلنه الرئيس جيمس مونرو عام 1823، ولكن هذه المرة شمل المنع الصون وروسيا.
وبالتالي فإن العلاقة التي تخضع لمبدأ"عقدة القنفذ" التي تعتمد على وجود مسافة بينية آمنه بين الدول، تقوم على التفاهم والتوازنات، وسيادة القانون الدولي، لا يجب أن تستمر ما دامت لا تؤمّن مصالح أمريكا العليا ضمن علاقة احتكار طوعية.
وهذا يفسر السلوك الترامبي تُجَاه اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته، خلال عملية عسكرية -الغارديان- ثَبَتَ مؤخراً أنها كانت مجرد صفقة رخيصة تمت قبل إسبوعين في قطر بين قادة أمريكيين، ونائبة الرئيس الفنزويلي المختطف، ديلسي رودريغيز ، قضت بتسليم مودورو خلال عملية سريعة تقودها قوات دلتا (التي فشلت في غزة) بذريعة الاتجار بالمخدرات التي أغرقت الأسواق الأمريكية.
ليتبين فيما بعد بأن السبب هو النفط -سي أن أن- حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الثلاثاء الماضي، أن الحكومة الانتقالية في فنزويلا، برئاسة الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز، ستسلّم الولايات المتحدة ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط الخاضع للعقوبات.
وسيُباع هذا النفط بسعر السوق، بإشراف ترامب بصفته رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وإدارة هذه الأموال لضمان استخدامها لصالح شعبيْ فنزويلا والولايات المتحدة!؟ إنه الاستعمار المقنع الذي لا يكلف الأمريكيين الكثير.
*السوبرمان الأمريكي وتسويق الخوف
ولعل الأخطر في عملية اختطاف مودورو التي تحولت إلى فزاعة ترعب رؤساء الدول في الجوار، هو تسويق فكرة السوبرمان الأمريكي؛ لاستثمار الخوف في بقية الدول المعاندة للرؤية الترامبية، سواء كان ذلك في كولومبيا التي تلاحقها تهم الاتجار بالمخدرات.. وبنما التي تدعي أمريكا ملكية قناتها المائية.. أو غرينلاند الدنماركية الغنية بالثروات النادرة، والتي تمثل كنزاً استراتيجياً من حيث الموقع على المحيط المتجمد الشمالي الخاضع لتنافس القوى العظمى.
أضف إلى ذلك إيران التي تعاني من حراك شعبي يستهدف نظامها السياسي بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية الناجمة عن الحصار الذي فرضته أمريكا بتحريض إسرائيلي، بسبب برنامجها النووي الذي فشلت أمريكا و"إسرائيل" في تدميره خلال حرب أل12 يوماً، ونظامها الصاروخي الذي يتهدد العمق الإسرائيلي، ودور طهران في دعم المقاومة في غزة ضمن وحدة الساحات.
حتى أوكرانيا التي يسعى ترامب لفرض مقترحاته عليها، من أجل إيقاف الحرب وفق الشروط الروسية، دون اكتراث بحلفائه في الاتحاد الأوروبي.. وكان ترامب عقب اجتماعه ببوتين في ألاسكا منتصف أوغسطس 2025 قد صرح قائلاُ: "أعتقد أننا نقترب جداً من التوصل لاتفاق وعلى أوكرانيا أن توافق.. وربما لا تفعل.. ونصيحتي إلى زيلينسكي أن يبرم اتفاقاً". وهذا بحد ذاته إملاء مبطن.
أيضاً الدول العربية الخاضعة لتقسيمات اتفاقية ساكيس بيكو، واستهتار ترامب بتلك الاتفاقية التاريخية، التي تضبط الحدود بين دول الشرق الأوسط وفق ما صرح به المبعوث الأمريكي توم بارك في أكثر من مناسبة، وذلك لدعم التمدد الإسرائيلي في الضفة الغربية وجنوب لبنان وسوريا دون رادع.
واللافت على صعيد دوليّ، تلك التجاوزات التي يقوم بها السوبر ترامب للقانون الدولي، الذي شُرِّعَ من أجل تنظيم العلاقات بين دول العالم، حيث استبدله بقانون "فرط القوة الأمريكي" الذي من شأنه أن يساعد الولايات المتحدة على نهب ثروات القارتين الأمريكيتين اعتماداً على المفاوضات الإملائية، (كما تفعل مع غزة التي ما زالت تتعرض للإبادة بالتجويع رغم وقف إطلاق النار غير المفعل إسرائيلياً كما ينبغي).
إذن هي ثورة ترامبية على الأمم المتحدة التي تنظم شؤون العالم.. ضمن إستراتيجية معلنة كما وصفها الفيلسوف دوغين الذي يهيمن على الاستراتيجية الروسية في سياق القومية الأوراسية الطموحة.
فهل دخل دوغين في هوى الترامبية لمجرد أن ترامب هو الوحيد القادر على إيقاف الحرب الأوكرانية! أم لأنها الفرصة السانحة لإضعاف أوروبا وشرذمة الناتو وتحجيمه.. أم لأن الرجل البرتقالي يمثل مصيبة على الولايات المتحدة التي عليها أن تواجه العالم حتى تحقق أهدافه شبه المستحيلة؟




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد