احتجاجات إيران: بين كسر الصمت واستنزاف الزمن

احتجاجات إيران: بين كسر الصمت واستنزاف الزمن

09-01-2026 10:37 PM

ليست الاحتجاجات الجارية في إيران حدثًا عابرًا يمكن اختزاله في أزمة اقتصادية أو موجة غضب مؤقتة، بل هي تعبير مكثف عن تراكم تاريخي من الاختلالات البنيوية التي أصابت العلاقة بين الدولة والمجتمع. ما نشهده اليوم هو لحظة كشف، لا لحظة انفجار فقط؛ لحظة تتعرّى فيها حدود القوة، وتتقدّم أسئلة الشرعية إلى الواجهة.
بدأت الاحتجاجات على خلفية تدهور اقتصادي حاد: تضخم متصاعد، انهيار في قيمة العملة، وارتفاع غير مسبوق في كلفة المعيشة. لكن سرعان ما تجاوز الشارع الإيراني هذه العناوين، لينتقل إلى مستوى أعمق من النقد، يستهدف بنية الحكم نفسها، وآليات اتخاذ القرار، وانسداد الأفق السياسي. وهنا تكمن خطورة اللحظة: حين تتحول المطالب المعيشية إلى أزمة ثقة، يصبح القمع وحده غير كافٍ لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
يمتلك النظام الإيراني جهازًا أمنيًا متماسكًا وخبرة طويلة في احتواء الاحتجاجات، وقد أثبت في أكثر من محطة قدرته على منع التحول السريع إلى ثورة شاملة. غير أن هذه القدرة لا تعني الاستقرار، بل تؤسس لما يمكن تسميته “الاستنزاف الطويل”: احتجاجات تخبو ثم تعود، غضب يتبدل شكله دون أن يختفي، ودولة تستمر لكنها تزداد هشاشة على مستوى الشرعية والقبول الشعبي.
المفارقة أن قوة النظام هي في الوقت نفسه مصدر ضعفه. فغياب أي مسار إصلاحي جاد، والاعتماد شبه الكامل على الأدوات الأمنية، يعمّق الفجوة مع جيل شاب لا يرى في الدولة إطارًا حاميًا لمستقبله، بل عائقًا أمامه. هذا الجيل، الذي وُلد بعد الثورة الإسلامية، لا تحكمه سرديات الماضي بقدر ما تحكمه أسئلة الحاضر: العمل، الكرامة، الحرية، والقدرة على العيش دون وصاية.
في المقابل، تعاني الحركة الاحتجاجية من إشكاليات حقيقية، أبرزها غياب القيادة الموحدة والبرنامج السياسي الواضح. هذه الثغرة تمنح النظام هامشًا واسعًا للمناورة، وتحدّ من قدرة الاحتجاجات على التحول إلى بديل سياسي منظم. كما أن الخوف المجتمعي من سيناريوهات الفوضى أو الانهيار الشامل يشكل كابحًا نفسيًا يمنع القطيعة الكاملة مع النظام، حتى لدى شرائح معارضة له.
مستقبل الاحتجاجات، إذن، لا يتجه نحو حسم سريع، لا بسقوط النظام ولا بانطفاء الغضب. الأرجح أن إيران تدخل مرحلة عدم استقرار مزمن، حيث تبقى الدولة قائمة، لكن بلا قدرة على إنتاج توافق اجتماعي جديد، ويبقى الشارع حاضرًا، لكن بلا أداة حاسمة للتغيير. إنها حالة “اللا نصر واللا هزيمة”، وهي أخطر المراحل على المدى البعيد.
التاريخ يعلّمنا أن الأنظمة لا تسقط فقط عندما يخرج الناس إلى الشوارع، بل عندما تفقد قدرتها على إقناع المجتمع بأنها ما زالت تمثل أفقًا ممكنًا. في إيران اليوم، المعركة الحقيقية ليست في عدد المتظاهرين ولا في شدة القمع، بل في الزمن: من يستطيع الصمود أطول؟ دولة تُدير الأزمة دون حل، أم مجتمع يرفض العودة إلى الصمت؟
في هذا المعنى، فإن الاحتجاجات الإيرانية ليست نهاية مسار، بل بدايته. قد تُقمع، قد تتراجع، لكنها لن تُنسى. وما لم يُفتح أفق سياسي واقتصادي حقيقي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، فإن السؤال لن يكون إن كانت الاحتجاجات ستعود، بل متى وبأي شكل.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد