الدستور أولاً واخيراً

الدستور أولاً واخيراً

10-01-2026 11:03 PM

إنّ ظاهرة اللجوء إلى الاستقواء بالعشيرة في مواجهة إشكالات العمل السياسي لا يمكن قراءته بوصفه حادثة عابرة أو زلّة خطابية طارئة، بل هو عارضٌ كاشف لخلل أعمق في الوعي السياسي لدى البعض، وانزياح خطير في فهم الدولة ووظيفتها، إذ يجري استبدال منطق الدستور، باعتباره العقد الأعلى الناظم للعلاقة بين السلطات والمجتمع، بمنطق العصبية، وكأن الدولة الحديثة لم تُنشأ أصلًا لتجاوز هذا النمط من الانتماءات الأولية، بل لإدارتها أو الاحتماء بها عند العجز.
إنّ هذا السلوك، في جوهره، إعلان ضمني عن إفلاس الحجة، وعجز الخطاب، وضيق الأفق السياسي؛ فحين يعجز مسؤول ما عن الدفاع عن سياساته المؤتمن عليها بلغة القانون والمنطق والمعرفة، تستدعي “الدم” ليقوم مقام “الدستور”، وتستنفر القرابة حيث كان يفترض أن تُستنهض المؤسسات، وهو منطق لا يشي بالقوة، بل يكشف الهشاشة؛ ولا يعكس الثقة بالنفس، بل يعرض ارتباكها، إذ يتحوّل النقاش العام من ساحة للعقل إلى ميدان للفزعة، ومن جدل الأفكار إلى تناحر الهويات.
والأخطر من ذلك أنّ الاستقواء بالعشيرة لا يُسيء إلى البرلمان وحده، ولا إلى الحكومة وحدها، بل يطعن في صميم فكرة الدولة ذاتها؛ فالحكومة التي تُدار بعض مؤسساتها بالعصبيات، لا بالقانون، تنقلب من كيان جامع للمواطنين إلى حلبة تنازع بين الولاءات الجزئية، وتتحول من سلطة عامة تستمد شرعيتها من الدستور إلى سلطة مرتبكة تستقوي بما هو خارج عنه، وهنا لا يعود المواطن متساويًا مع غيره في الحقوق والواجبات، بل يُعاد تصنيفه وفق منطق القرب والبعد، والدم والنسب، في نكوصٍ فادح عن مفهوم المواطنة الذي قامت عليه الدولة الحديثة.
ان هذا السلوك الوليد، والغريب عن تقاليد الحياة السياسية الأردنية، ينطوي على نزعة خطيرة لتسييل الخلاف السياسي ونقله من فضائه الطبيعي، أي المؤسسات الدستورية، إلى الشارع، حيث يسهل تأجيج الغرائز واستحضار الانفعالات، وتغدو العصبية بديلاً عن العقل، والهتاف بديلاً عن الحجة، وحين يُدفع الخلاف إلى هذا المنحدر، لا يعود خلافًا بين برامج وسياسات، بل يتحول إلى استقطاب هوياتي عقيم، يفتك بالنسيج الاجتماعي ويقوّض السلم الأهلي.
وإذا كان الدستور قد رسم لكل سلطة مجالها وأدواتها، فإن القفز فوق هذه الأدوات واستدعاء العشيرة كدرع سياسي لا يعدو كونه التفافًا على الدستور، وانتقاصًا من منطق الدولة، وتشويهًا لمفهوم الصراع السياسي المشروع الذي يفترض أن يكون اشتباكًا عقلانيًا بين رؤى وسياسات داخل أطر مؤسسية ودستورية واضحة، أما تحويله إلى صراع عصبيات، فليس إلا ارتدادًا إلى ما قبل الدولة الحديثة، حيث تسود الغلبة لا الحجة، والهوية لا القانون.
إنّ غرابة هذا السلوك لا تكمن في كونه مخالفة للأعراف السياسية الأردنية فحسب، بل في تعارضه الصريح مع جوهر المشروع الإصلاحي للدولة الأردنية الحديثة، وتزداد غرابة هذا السلوك حين يُقارن بالتوجيهات الملكية الثابتة التي لم تنفك تؤكد، في كل مراحل الإصلاح السياسي والإداري، على أن الدستور هو المرجعية العليا، وأن احترام المؤسسات والاحتكام للقانون ليس خيارًا سياسيًا، بل شرط وجود للدولة وهيبتها، والتي تمثل قوة الدولة التي لا تُبنى على الفزعات، بل على العدالة، ولا تُصان بالولاءات الجزئية، بل بسيادة القانون وتكافؤ الفرص، ومن هنا، فإن أي التفاف على هذه القاعدة لا يمكن فهمه إلا باعتباره خروجًا عن روح الدولة وخطابها الرسمي.
لذلك، فإن الاستقواء بالعشيرة لا يمثل علامة قوة ولا سندًا سياسيًا، بل هو عَرَضٌ لأزمة وعي، ودليل على خلل بنيوي في فهم معنى المسؤولية العامة، وهو سلوك إن تُرك دون مساءلة، فإنه لا يهدد فقط نزاهة العمل العام وهيبته، بل يفتح الباب أمام تآكل بطيء وخطير لفكرة المواطنة ذاتها، ويضع الدولة في مسار معاكس تمامًا لما أراده النهج الملكي والدستور، من بناء لدولة القانون والمؤسسات، لا دولة العصبيات والفزعات.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الذهب والنفط وفلس الريف .. "الطاقة" تستعرض تقدم مشاريعها الاستراتيجية

الصادرات الأردنية للاتحاد الأوروبي ترتفع إلى 411 مليون دينار

5 شهداء ومصابون في قصف الاحتلال مواصي خانيونس بغزة

مجمع الملك الحسين للأعمال يوقع مذكرة تفاهم مع اتحاد الرياضات الإلكترونية

انطلاق المؤتمر الفني الدولي الـ38 للاتحاد العربي للأسمدة بعمان الثلاثاء

ميتا تدخل عالم الروبوتات البشرية عبر "ماكس"

فريق الاتحاد في صدارة دوري المحترفات لكرة القدم

توقيع اتفاقية لتعزيز الاستفادة من خدمات الاستعلام الائتماني

الإحصاءات العامة تمدد أعمال التعداد لاستكمال تغطية جميع مناطق المملكة

تفاهمات 4 كتل نيابية تسبق افتتاح الدورة العادية وحسم مواقع "المكتب الدائم"

وزارة العمل: تحديد الفئات الملزمة بإصدار تصاريح العمل .. تفاصيل

ارتفاع أسعار المنتجين الصناعيين لشهر أيلول بنسبة 5.41 بالمئة

سلف إلكترونية لمنتسبي الأمن العام عبر "صندوق الائتمان العسكري"

أعضاء مجلس مفوضي البترا التنموي السياحي يؤدون القسم القانوني

الزرقاء: إطلاق الدورة الـ20 لـ مكتبة الأسرة الأردنية

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة

أردنيون أمام مهلة شهرين لتسديد التزامات مالية .. أسماء