الهوية الوطنية في الأردن بين المتخيل والمعاش
17-01-2026 07:13 PM
حين نتحدث عن الهوية الوطنية في الأردن، فإننا لا نتحدث عن بطاقة أحوال أو مكان ولادة أو حدود جغرافية فحسب، بل عن شعور جمعي بالانتماء يتكوّن عبر الزمن، ويتجدد بالممارسة، ويُختبر في اللحظات الفاصلة. فالهوية في جوهرها ليست معطى جامداً، بل سردية حية: جزءٌ منها متخيَّل يصوغه التاريخ والرمز والخطاب، وجزءٌ منها معاش يلمسه المواطن يومياً في المدرسة والجامعة وسوق العمل والخدمات العامة، وفي علاقته بالدولة والمجتمع.
يُقال في الأدبيات السياسية إن الأمة “جماعة سياسية متخيّلة”، أي أن تماسكها لا يقوم فقط على الحقائق المادية، بل على الاعتقاد المشترك بأننا ننتمي إلى “نحن” واحدة. في الأردن تتجسد هذه الفكرة بوضوح؛ فـ”الأردنية” ليست مجرد جنسية، بل سردية تصنعها مؤسسات الدولة، وتستند إلى رموز جامعة: الدولة الحديثة، المؤسسة العسكرية، الشرعية الدستورية، الاستقرار، والقدس بوصفها بوصلة وجدانية وقومية، إضافة إلى الدور الاجتماعي للعشائر بما تمثله من منظومة قيم وتضامن.
لكن السؤال الأهم: من يصوغ الهوية الأردنية؟ هل تصوغها النخب والمؤسسات عبر الخطاب والرموز والسياسات، أم يصوغها الناس من خلال حياتهم اليومية واتجاهاتهم وتجاربهم؟ الواقع أن الأمرين متداخلان. فالدولة تبني سردية الهوية عبر التعليم والمناهج والإعلام الرسمي والخطاب السياسي، وتضع الإطار العام للمواطنة والقانون. وفي المقابل، يعيد المواطنون إنتاج الهوية أو مساءلتها من خلال تجاربهم المعيشة: في المدن والأطراف، بين الأجيال، وبين الفئات الاجتماعية المختلفة. لذا فإن تماسك الهوية لا يُقاس فقط بجمال السردية، بل بقدرتها على أن تتحول إلى خبرة يومية عادلة يشعر بها المواطن.
من هنا تبرز ثنائية شائعة في فهم الهوية: الهوية المدنية مقابل الهوية الإثنية/النَسَبية. الأولى تُعرّف الانتماء على أساس المواطنة والسلوك المدني: احترام القانون، المشاركة، خدمة المجتمع، والالتزام بالمصلحة العامة. والثانية تُركّز على الأصل والنسب والقرابة والانتماءات الأولية. وفي الأردن يظهر التوتر بين الصيغتين في النقاش العام حول “من هو الأردني؟” هل هو تعريف قائم على عقد مواطنة جامع، أم تعريف يغلّب الانتماء الأولي؟ غير أن الخلاصة الأهم هي أن هذه الثنائيات مفيدة للتحليل لكنها غير كافية وحدها، لأن الهوية الأردنية في الواقع مركّبة، ويمتزج فيها السياسي بالاجتماعي، والمدني بالتاريخي، والوطني بالقومي.
ويزداد المشهد تعقيداً عندما نميّز بين الوطنية بوصفها اعتزازاً إيجابياً غير إقصائي، وبين القومية المتعصبة بوصفها تعالياً وإقصاءً للآخر. هذا التفريق مهم أردنياً؛ لأننا نحتاج وطنية جامعة تنتج ثقة وتماسكاً، لا خطابات تخوين وتفتيت تُضعف الوحدة وتفتح الباب للاستقطاب. فالهويات لا تنهار من الخارج فقط، بل قد تتصدع من الداخل حين يتحول الاختلاف الطبيعي إلى صراع صفري.
وفي مجتمع متنوع، يصبح السؤال العملي: هل تعزّز الهوية الوطنية الثقة الاجتماعية والتضامن؟ هنا لا توجد إجابة واحدة. فالهوية قد تكون جسراً للتضامن إذا كانت مدنية شاملة، وقد تتحول إلى أداة انقسام إذا جرى شحنها بمعايير إقصائية. لذلك، فإن ما نحتاجه في الأردن ليس تضخيم سؤال الهوية بقدر ما نحتاج إلى تطوير مضمونها المدني: دولة قانون، عدالة فرص، خدمات فاعلة، وتمثيل عادل. فالإنصاف اليومي هو الوقود الحقيقي للانتماء.
ويقدّم الواقع الأردني درساً شديد الأهمية: الهويات المركّبة ليست خطراً بالضرورة. فوجود هويات فرعية أو أصول متعددة يمكن أن يكون عامل غنى واندماج إذا كان الإطار الوطني مدنياً وغير إقصائي ويضمن المساواة. إن الخوف من التعدد لا يُنتج وحدة، بل يُنتج صمتاً هشاً، بينما الاعتراف بالتنوع داخل عقد مواطنة واضح هو ما يصنع تماسكاً صلباً.
خلاصة القول: الهوية الوطنية في الأردن هي نتاج تفاعل دائم بين المتخيَّل الذي تصوغه السردية الرسمية والرموز الجامعة، وبين المعاش الذي يختبره المواطن في حياته اليومية. وكلما اقتربت الدولة من المواطن بالعدالة والفرص والشفافية، وكلما ارتفعت لغة الوطنية الجامعة على حساب الشحن والإقصاء، ازدادت الهوية الأردنية قوة، وتحولت من سردية جميلة إلى حقيقة يومية تُعاش وتُدافع عنها.
في ضرورة التعلّم من النموذج العراقي
الذكاء الاصطناعي أم العارف الاصطناعي؟
سوريا إسرائيلياً: سوق الحميدية وجبل الشيخ
العمالة المخالفة .. ما بعد المهلة أهم من التسفير
من دوامك لمشوارك المسائي .. هكذا ستكون أجواء الأحد
ترند الثمانينيات يعيد الأردنيين إلى "الزمن الجميل"
ناشئو الأردن يتعثرون أمام تونس قبل تصفيات آسيا
مباحثات أردنية قطرية بشأن التطورات الإقليمية وخفض التصعيد
من هو الداعية إبراهيم السعودي الذي أحزن رحيله الأردنيين؟
4 اصابات إثر مشاجرة في الكرك .. بينها 2 بعيارات نارية
منخفضات جوية متتابعة تضرب 4 دول عربية .. تفاصيل
التعادل يحسم مواجهة الوحدات والسلط في دوري المحترفين
مهلة أخيرة قبل التسفير .. ماذا ينتظر العمالة المخالفة في الأردن بعد 30 أيلول؟
إربد تحت موجة صاروخية إيرانية غير مسبوقة .. مشاهد توثق ما حدث
إلى الأردنيين .. هذه الهواتف سترتفع أسعارها بزيادة قد تصل إلى 240 ديناراً
تحذير للأردنيين بشأن مندوبي التعداد السكاني .. لا تعطوا بياناتكم قبل هذه الخطوة
ثاني أردنية تترأس جاهة صلح وشيخ عشائري يرد: الجاهة ليست مشوار بل كلمة رجال
حصيلة وفيات جديدة لحادث حافلة المكلفين بخدمة العلم
إيران تستهدف مدناً أردنية بموجة صاروخية غير مسبوقة .. فيديو
جريمة قتل تهز الكرك .. والأمن يكشف التفاصيل
إربد .. سائق بحالة غير طبيعية يتسبب بحادث والمفاجأة بما عُثر بحوزته
فاجعة أطفال الزرقاء تفتح ملف المراوح .. علامات خطرة لا تتجاهلها
من توقيفه بسبب الدرون إلى دعوة رسمية .. قصة جو حطاب في الأردن .. فيديو
بيان للجيش يكشف ما حدث في سماء الأردن .. وكاميرا السوسنة توثق الصواريخ
القوات المسلحة تنعى شهداء الواجب وتوضح تفاصيل الحادث الأليم
إلى الأردنيين .. تحذير مهم من البحث الجنائي
بعد شكاوى مستهلكين أردنيين .. السفارة الصينية تتدخل لحل أزمة طراز من المركبات
من المفرق إلى إربد .. والد أسامة يكشف تفاصيل جديدة حول مقتله