​حين يغزو "السبحبح"

​حين يغزو "السبحبح"

21-06-2026 12:36 AM

​في أزقتنا ومدننا، نلحظ غالباً كائناً أخضر لا يأبه بصرامة المهندسين ولا بقدسية القانون؛ إنها شجرة "السبحبح" . تنبت في أكثر الزوايا انزواءً، وتنمو في الشقوق الصخرية حيث لا يتوقع أحدٌ حياة، حتى إذا استوت على عودها، صارت قوةً لا تُرد، تكسر الأرصفة وتخترق الجدران ببطءٍ مرعب.
​هذا الكائن النباتي ليس مجرد شجرة؛ إنه الاستعارة الأصدق والأكثر دقة لفهم "الفوضى" التي تتسلل إلى مجتمعاتنا، فهي ليست مجرد غياب للنظام، بل هي نظامٌ بديل، حيّ، وقادر على التكيف بشكلٍ يفوق أعتى مؤسساتنا.

​يخبرنا إيميل دوركايم أن "الأنومي" (اللا معيارية) هي تلك الحالة التي تفقد فيها المعايير الاجتماعية سطوتها، فيغدو الفرد تائهاً بلا بوصلة. هذه الحالة هي التربة المثالية لجذور السبحبح؛ ففي غياب القيم الموجهة، لا يتوقف المجتمع عن النمو، بل ينمو "عشوائياً". مثلما تخترق جذور السبحبح أنابيب المياه بحثاً عن الحياة، تخترق سلوكيات الأفراد المتمردة على القانون أنسجة الدولة، لتصبح الفوضى هي "القانون الجديد" الذي يملأ الفراغ الذي خلّفته المعايير المنهارة.

​في "نظرية الفوضى والتعقيد"، ندرك أن التغييرات الطفيفة قد تقود إلى نتائج غير متوقعة. السبحبح، بأوراقها المتراصة التي تحجب الشمس عما تحتها، تُمثّل "النظام الظلي". إنها الفوضى التي لا تكتفي بفرض وجودها، بل تفرض قانونها الخاص؛ حيث تُستنزف الموارد (الضوء) لصالحها، وتذبل بجانبها كل محاولات الترتيب المنظم. إنها حالة "النظام الذي لا نراه"، حيث تغدو ممارسات الهامش هي المحرك الحقيقي للواقع، تاركةً المؤسسات الرسمية في ظلامٍ دامس.

​لا تُعد السبحبح نباتاً مسالماً، فهي "استعمارية" بطبعها؛ تطرد الأنواع الأخرى وتستحوذ على المساحة. وهنا تتجسد "نظرية الصراع" بوضوح؛ إذ تتحول الفوضى إلى وسيلة في يد فئات محددة (أو قوى اقتصادية) لإعادة تشكيل المجتمع بما يخدم مصالحها. الفوضى هنا ليست حادثاً عارضاً، بل هي "إستراتيجية" للسيطرة، حيث يُسمح بالاضطراب ليبقى مَن يتقن فنون "المناورة في الغابة" هو الممسك بزمام الموارد، بينما يظل الجميع في حالة بقاء دائمة.

​ لماذا نفشل في الاقتلاع؟
​هل تساءلت يوماً لماذا تنجح الفوضى في البقاء رغم محاولاتنا الدائمة للقضاء عليها؟ تجيبنا "نظرية نوافذ الزجاج المكسور" بأننا نكتشف المشكلة بعد فوات الأوان. نحن ننتظر حتى تصبح "شجرة السبحبح" عملاقة تهدد أساسات البيت، بينما كان بإمكاننا اقتلاعها وهي "بذرة" صغيرة في شق الرصيف. الفوضى هي تراكم إهمالنا اليومي، وهي النتيجة الحتمية لغض الطرف عن "الكسور الصغيرة" في نسيجنا الاجتماعي.

​خاتمآ:

​إن تشبيه الفوضى بشجرة السبحبح يمنحنا رؤيةً جديدة للحل؛ فالفوضى ليست قدراً محتوماً، بل هي "احتمالية" تنمو في بيئة مهملة. إذا أردنا مجتمعاً متماسكاً، فلا يكفي أن نكتفي بـ "تشذيب" الأغصان (معالجة أعراض الفوضى)، بل يجب علينا أن نعتني بـ "التربة"؛ بتعزيز قيم العدالة، والوضوح المعياري، والحضور الفاعل للقانون.

​فالسؤال الحقيقي ليس كيف نقضي على الفوضى؟ بل: ما هي الشقوق في رصيفنا الاجتماعي التي نسمح لهذه "السبحبح" أن تتغلغل فيها؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

بعد مقتل نور طعنا في عمّان .. عائلتها تصدر بيانا وتوضح الحقائق

النواب يقر 27 مادة .. والحكومة توضح تعديلات تملك غير الأردنيين

فيديو يهز إربد .. سائق يفر بعد الاستيلاء على 50 ديناراً وشاب يسقط أرضاً خلال مطاردته

نور برغل .. ماذا بعد عطوة الاعتراف وكيف سيحدد القضاء التهمة؟

خبر سار من الحكومة .. مدعوون لاستلام آلاف الدنانير .. أسماء

هزة أرضية تضرب مصر ويشعر بها سكان العقبة

تجار الغذاء: توقف اللحوم الرومانية ليس سبب ارتفاع الأسعار

قطعت جثة والدتها ووضعت رأسها بالثلاجة لأنها أفشلت زيجاتها

القوات المسلحة تُصدر بياناً مهماً .. تفاصيل

لديك مخالفات سير؟ تعرّف من يشمله خصم الـ30% وكيف يُحتسب المبلغ

إيران تحدد أهدافاً عربية إذا هاجمت أمريكا منشآت الطاقة

كم دقيقة يستطيع الإنسان تحمل الشمس عند 38 أو 40 درجة مئوية؟

مكافحة المخدرات تحذر: متعاطي "الكريستال" قد يتحول إلى خطر على نفسه ومحيطه

15 حالة إصابة بتسمم غذائي في الهاشمية والزرقاء تغلق مطعماً احترازياً

تفسير رؤية الخنزير في المنام