"تشييء الطفولة"
20-06-2026 09:59 PM
يا صغاراً لم يدركوا بعدُ أنَّ عيونهم التي تتلألأ بصفاءٍ سماويّ، وأصواتهم التي تنسابُ كجدول ماءٍ في يومٍ قايظ، قد باتت "عملةً" في سوقٍ لا يعرفُ الرحمة.
ياسين.. يا صغيري، هل كنتَ تظنُّ يوماً أنَّ ابتسامتكَ هي "مَهمةٌ" يومية؟ أنَّ ضحكتكَ العفوية التي كان يجب أن تملأ زوايا الغرفة ببراءتها، تحولت إلى "أمرٍ عسكريّ" بانتظار إشارة من عدسةٍ لا تشبع؟ إنك لا تلعب، أنتَ فقط تُمثّلُ دور "السعادة" أمام ملايين الغرباء، بينما قلبكَ الصغير يضجُّ برغبةٍ صادقة في أن تترك اللعبة، في أن تختبئ، في أن تكون طفلاً فقط.. لا نجماً ولا "ترند".
وليلي.. يا ملاكاً يغني للبؤسِ بأصوات الملائكة. عيناكِ الزرقاوان اللتان تشبهان براءة الكون، باتتا محطَّ أنظارِ العابرين، لا ليسمحوا لكِ بالتحليق، بل ليصوروا "فقركِ الجميل". يلبسونكِ الرثاثةَ بعناية، ويطلبون منكِ الغناء.. فيصفقون لجمال صوتكِ، ويصورون دموعكِ، ثم يمضون.. تاركينكِ في عراء الشارع، طفولةً معروضةً في واجهةِ "المأساة المُنتجة".
لقد سرقنا منكم "الخفاء". سرقنا منكم حقكم في أن تنموا بعيداً عن الأضواء الكاشفة التي تحرقُ ربيعكم قبل أن يزهر. لقد حولناكم إلى مرايا، تعكسُ رغباتنا في الشهرة، أو فضولنا تجاه "جمال البؤس".
من هنا بدأت الظاهرة حيث تطالعنا المنصات الرقمية يومياً بنماذج لأطفال تحولت حياتهم إلى "محتوى" استهلاكي، ولعل قصة ياسين -بملامحه العسلية وابتسامته التي أُمر بأن تكون حاضرة دائماً للعدسة- تلخص مأساة جيل كامل يُعاد إنتاجه كسلعة رقمية. وفي المقابل، يظهر في المشهد الواقعي والدرامي نموذج ليلى؛ الطفلة ذات البشرة السمراء والعيون الزرقاء التي تمتلك صوتاً عذباً، حيث يُستغل جمالها وصوتها كأداة لجذب التعاطف أو كـ "إكسسوار" بصري في مسرحية البؤس التي تديرها عصابات الاستغلال. بين عالمي ياسين وليلى، تتجلى إشكالية كبرى: كيف تحولت الطفولة من مرحلة نمو عفوي إلى "أصل" يُستثمر في سوق الرأسمالية الرقمية والدرامية؟
من منظور سوسيولوجي، نحن أمام ظاهرة "تشييء الطفولة"؛ حيث يتم انتزاع الطفل من كينونته الإنسانية وتحويله إلى "شيء" يخدم استراتيجيات تراكم رأس المال الاجتماعي. لم يعد الطفل في هذا السياق كائناً ينمو بمعزل عن التوقعات الخارجية، بل صار "مؤدياً" مُقيداً بخوارزميات المشاهدة. هذا التشييء يمثل اغتراباً مزدوجاً: اغتراب عن الذات، حيث تتشكل هوية الطفل من خلال "مرآة المتابعين"، واغتراب عن الوجود الطبيعي، حيث تصبح الطفولة "وظيفة" مجهدة تُمارس تحت الضغط البصري المستمر.
كما أن الظاهرة لا تقتصر المسألة على الممارسات الفردية، بل يمتد الخطر إلى الخطاب الإعلامي والدرامي الذي يُمارس "تطبيعاً" مع استغلال الأطفال. حين تُقدّم الدراما الطفل المتسول في صورة "البطل الشجاع" بملابس ممزقة بعناية، فهي لا تفضح الاستغلال بل تجمّله. هذه "الجماليات الزائفة" التي تستخدم المواصفات الجسدية (جمال الملامح، صفاء الصوت) كأدوات درامية، تهدف إلى إثارة تعاطف المشاهد، لكنها في الواقع تُغطي على القسوة الهيكلية التي يعاني منها الأطفال. إن هذا التنميط البصري يُحوّل المأساة إلى "فرجة"، مما يدفع المجتمع –وعن غير وعي– إلى قبول استغلال الأطفال كجزء من منطق البقاء، بل وتحفيز البعض على محاكاته كطريق مختصر للربح أو الشهرة.
استناداً إلى نظرية التفاعل الرمزي، يمكننا القول إن هوية الطفل اليوم تُبنى في فضاء تفاعلي افتراضي. إن اعتماد الطفل في تقييم ذاته على "التغذية الراجعة الرقمية" (الإعجابات، التعليقات) يخلق استحقاقاً ذاتياً هشاً. فالطفل هنا لا ينمو من خلال اكتشاف ملكاته الداخلية، بل من خلال صدى صوته أو صورته في العالم الخارجي، مما يجعل من استقلاليته النفسية رهينةً لمزاج "الجمهور الرقمي".
آليات المواجهة ومقترحات التغيير لابد من أن تدمج بين الوعي التربوي والتشريع القانوني كما يلي :
١- تقنين المشاركة الرقمية وفق "مصلحة الطفل الفضلى" لا "رغبة الأهل في النشر".
٢- ترسيخ مفهوم أن خصوصية الطفل ملك له، وليس للأهل الحق في استباحتها أبدياً.
٣-ضرورة وجود ميثاق أخلاقي يتصدى لتنميط الطفولة في الدراما، وكشف آليات "تجميل الاستغلال" بصرياً.
٤- سن قوانين صارمة تُجرّم استغلال الأطفال تجارياً، سواء في المحتوى الرقمي أو في التوظيف الدرامي الذي يمس كرامتهم.
خاتمآ:
إن الطفولة، جوهرياً، هي مساحة للنمو في الخفاء والسكينة. إننا مدعوون اليوم إلى مراجعة علاقتنا بالصورة، والتحرر من سحر "الترند" الذي يغرينا ببيع طفولة أطفالنا. إن الطفل ليس امتداداً لطموحاتنا، ولا سلعةً في سوق العرض والطلب؛ إنه إنسان يمتلك حقاً أصيلاً في أن يعيش حياته دون "مراقبين"، وبمعزل عن عدسات الكاميرا التي لا ترحم.
كيف تحضّر القهوة التركية بالطريقة التقليدية؟
الفيصلي يحافظ على نجومه .. بثلاث عقود تجديد
حقيبة المدرسة .. أخطاء يومية قد تؤثر على ظهر الطفل
الموت يغيب تيم كاري عن عمر يناهز 80 عامًا
ماذا يعني دخول الـVAR إلى الكرة الأردنية؟
أهم تسريبات آيفون 18 برو المتوقع
أنت تكره إسرائيل… فلن نسمح لك بالدخول
عبدي والهجري: موازين سوريا التي ترتقي أو تتردى
سوريا الجديدة .. الجيش الذي تخشاه إسرائيل وتبنيه تركيا
بالفيديو .. فيضانات نيبال تتفاقم ومفقودون من 33 دولة
ارتفاع صادرات صناعة إربد إلى 718 مليون دولار خلال 7 أشهر بنسبة نمو 7.2%
سبب وفاة فؤاد حجازي تهز مواقع التواصل
اب يقتل ابنه بالرصاص في اربد .. تفاصيل
الذهب يلمع في الأردن اليوم .. أسعار
بيان شديد اللهجة من عشائر الخزاعية بشأن عرس مادبا: سنلجأ للقضاء
إحالة خليل الزيود إلى النائب العام بعد جدل حول تصريحات مسيئة للنبي
شيماء وليد .. ماذا اكتشفنا خلف قصة الطبيبة التي أبكت الملايين؟
عمال مصنع ألبان: سبعة أشهر بلا رواتب .. التفاصيل
سقط قرار الـ30% وبقيت الأزمة .. من يفك طلاسم التوجيهي والحقول؟
منخفض جوي مبكر يقلب أجواء المنطقة .. وهذا ما ينتظر الأردن نهاية الأسبوع
غضب أردني من تصريحات خبير تربوي أساء للنبي ﷺ .. والإفتاء ترد
تصريحات الخبير التربوي عن النبي ﷺ .. القصة الكاملة من الجدل إلى تدخل الإفتاء
وفاة عشريني متأثرًا بإصابته برصاص والده في البلقاء
وائل كفوري يختار عمّان محطة لتقديم "محبوبي"