«الستّ» .. ما وراء الأسطورة
لم تكن مشاهدة فيلم «الست» في المرة الأولى كافية لي لتقييمه بموضوعية، فقد انثالت عليّ الذكريات وغمرتني مشاعر شتى متباينة، فحضور أم كلثوم في حياتنا ولو بعد نصف قرن من غيابها لا يزال طاغيا، فإذا كانت فيروز قد استأثرت بصباحاتنا، فالست سيدة الليالي ونديمة السهر، والشاهدة على الحب الأول وتقلبات العاشقين ما بين نعيم الوصل وجحيم الهجر. لذلك كان لا بد لي من مشاهدة الفيلم ثانية بعقل بارد وعين ناقدة، جاهدة قدر المستطاع أن أخلي ذهني من شيئين: أولهما الأفكار المسبقة الناتجة عن القراءات والمشاهدات والمعرفة القبْلية بكل ما يتعلق بصوت طبع يومياتنا، وثانيهما المقارنة التي تفرض نفسها مع مسلسل أم كلثوم، الذي عرض في رمضان 1999 وكتبه محفوظ عبد الرحمن وأخرجته إنعام محمد علي، وقامت ببطولته الممثلة صابرين، وقد لاقى يومها نجاحا جماهيريا كبيرا.
وقبل مشاهدة فيلم «الست» قرأت سيلا من الإشادات به في مواجهة سيل آخر من الانتقادات، والغريب أن بعضهم كتب منتقدا الفيلم بأفكار مسبقة بمجرد رؤية الإعلان الترويجي له. وهذا الجدل والانقسام الطولي حول الفيلم متوقع، بل هو صفة ملازمة لكل فيلم يتناول شخصية عامة لها في أذهاننا صورة ثابتة يقينية، فيتعامل أصحاب هذا اليقين مع كل وجهة نظر مخالفة لهم على طريقة بروكست وسريره الشهير. وكان لنقاد الفيلم أن يتفادوا كثيرا من الحدة والتشنج (وصلت ببعضهم إلى اعتبار الفيلم تشويها متعمدا لرمز مصري كبير) لو أنهم نظروا إلى الأمر ببساطة على أنه فيلم سينمائي، يحمل وجهة نظر صانعيه وليس فيلما وثائقيا يتتبع سيرة أم كلثوم من المهد إلى اللحد، ملتزما بالوقائع التاريخية المثبتة بحرفيتها.
ابتعد فيلم «الست» عن التتبع الكرونولوجي لحياة أم كلثوم فهو يبدأ بحفلة الأولمبيا في باريس بعد نكسة حزيران/يونيو 1967 والتي قدمت الست عائداتها لفائدة المجهود الحربي، مع ما صاحب تلك الحفلة من حادثة غريبة، حين حاول معجب تقبيل قدمها فأسقطها على المسرح، وبعد هذا المدخل المبهر الذي يعود إليه المخرج في آخر فيلمه، وكأنه يغلق الدائرة التي افتتحها دون أن يسير بشكل خطي، يرجع بنا إلى البدايات من خلال كادرات واسعة على الريف المصري والبدايات الصعبة لبنت صغيرة تتعرض للبرد والجوع والرعب (إطلاق النار في صراع بين عائلتين) للحصول على مبلغ زهيد جدا يسكن يدَ والدها وكازوزة صغيرة لها. وبطريقة الفلاش باك يضيء المخرج على عنصر مهم في تكوين أم كلثوم، وهو حفظها للقرآن على يد والدها الشيخ البلتاجي، وأثر هذا الحفظ المبكر في سلامة مخارج حروفها وتذوقها لجمال اللغة العربية، الذي بدا أثره الواضح فيما بعد في اختياراتها الموفقة للقصائد التي غنتها.
وعلى هذه الوتيرة من الاستعادات سار الفيلم، مضيئا على محطات من حياتها متسلسلة تاريخيا، لكنها غير مترابطة في ما بينها جهدت هذه الفلاشات إن صح الوصف لترسم لنا صورة بانورامية عن الست، منذ وصولها إلى القاهرة مع والدها وأخيها، إلى مشهد تشييعها في آخر الفيلم، وقد زاوج المخرج بين المشاهد التمثيلية والمقتطفات الأرشيفية ودمج بينهما، ولهذه الطريقة وجهها الإيجابي، إذ تعطي مصداقية للفيلم فتستدعي من الذاكرة ما ألفه المشاهد واطمأن إليه، وينسحب ذلك بالتبعية على مشاهد التمثيل، كما أن لها وجهها السلبي، إذ تجعل المقارنة بين الأصل (أم كلثوم الحقيقية) والصورة (منى زكي) حاضرة باستمرار، خاصة مع الفوارق الجسدية بينهما، رغم كل جهود الماكياج لإذابتها. وفي رأيي لو تم الاستغناء عن المادة الأرشيفية التي تظهر فيها أم كلثوم الحقيقية بشخصها لكان أفضل في ترسيخ صورة منى زكي الكلثومية، مع التنويه بالأداء المميز للممثلة وهي المدركة تماما للاختلاف المورفولوجي بينها وبين الست، فركزت على الجانب النفسي، والمشاعر الداخلية ونقل الأحاسيس أكثر من تقليد حركات أم كلثوم الشكلية، وهذا التحدي الذي واجهته الفنانة جعلها تعتبر دورها في هذا الفيلم «أهم وأصعب عمل فني قدّمته حتى الآن في مسيرتها».
للإنصاف استطاع مروان حامد بخبرته الكبيرة في الإخراج – التي تجلت منذ بداياته في «عمارة يعقوبيان»، إلى تألقه في «الفيل الأزرق» – أن يقدم عملا بالتعاون مع الكاتب أحمد مراد اتسم بالحرفية الشديدة، فلم يتفلّت من بين أصابعه خيط الإيقاع، رغم طول الفيلم نسبيا (ساعتان ونصف) وأجاد توظيف الموسيقى والحركة السينمائية لتصعيد التوتر، وخاصة أن بنية الفيلم المركبة القائمة على الانفعالات ودور الذاكرة (الاستعانة بالأرشيف) إضافة إلى تشظي الظاهرة الكلثومية، بين الفني والسياسي والعاطفي، دفعاه إلى الاستفادة القصوى من تقنيات العمل السينمائي، يتجلى ذلك في استغلال الكادرات الواسعة في المشاهد الخارجية مثل تصوير الريف المصري، أو الحفلات، واللجوء إلى اللقطات المقربة في اللحظات ذات التوتر النفسي مثل، التركيز على تعبيرات وجه منى زكي، مع استلهام بعض المشاهد العالمية، مثل مشهد الست وهي تدخن قرب المدفئة وحيدة وكلبها إلى جانبها تحرق مذكراتها، ما يستدعي إلى الذاكرة كادرات فيلم ماريا كالاس في أواخر حياتها أو فيلم «الساعات» عن حياة فرجينيا وولف. يدعم هذه الكادرات المتباينة، مراوحة ذكية في الانتقال اللوني من الأسود والأبيض في المشاهد المتعلقة بالطفولة، أو لحظات الانكسار، أو الخوف (لحظة سرقة الفيلا) في مقابل المشاهد الملونة التي تزامنت مع الفرح والنجاحات والحب (مشهد مع حبيبها في الأهرامات) مع تسجيل بعض الارتباكات غير المبررة، حيث لا نفهم أحيانا ما الموجب لاستعمال التصوير غير الملون في مشاهد عادية. وهذه الإجادة في توظيف الألوان دراميا، صاحبها توظيف مميز للموسيقى التصويرية، فلا يجب أن يغيب عن بالنا أن الموسيقى هي البطلة الحقيقية للفيلم، لذلك لجأ صانعو الفيلم (تولى هذا الجانب الملحن المصري هشام نزيه) إلى دمج تسجيلات أغاني أصلية لأم كلثوم، مع مقاطع أوركسترالية حديثة، بل قالت الموسيقى والأغاني أحيانا ما لم يقله الكلام، فعندما نبهت أم كلثوم والدها بأنها لن تقبل أن يمد عليها يده مرة أخرى، تصاحب ذلك مع مقطع من قصيدة الأطلال تغني فيه «آه من قيدك أدمى معصمي»، وحين علمت بإصابتها بمرض يمكن أن يمنعها من الغناء تصاعد في الخلفية صوتها وهي يشدو «خلقت صوتي ويدّك صورت أعضائي».
أهم ما ميز فيلم «الست» من ناحية المضمون، أنه ابتعد عن الجانب التقديسي وأسطرة الست، فقدم لنا امرأة من لحم وعظم، تحزن وتفرح، وتكتئب وتخاف وتغضب، امرأة امتلأت بالوحدة كما وصفت نفسها ترغب في الحمل والولادة ككل النساء، ولكن بالمقابل امرأة قديرة مستقلة، لا تسمح لأيّ كان بالهيمنة عليها، ولو كان والدها، تتعامل مع الرجال بنديّة وتنافسهم (انتخابات النقابة نموذجا)، وأظهر صانعو الفيلم بعض الجوانب المخفية في حياتها، إيجابية كانت مثل، أنها كتبت المقال الصحافي، أو سلبية مثل التدخين، وما رآه بعض النقاد بخلا، وإن كان الأفضل أن يصنف ضمن خانة الحرص على مال لم تجنِه بسهولة. هذه التركيبة النفسية المعقدة هي واحدة من الرسائل التي أوصلها لنا فيلم «الست» فهو عن أم كلثوم الإنسان، قبل أن يكون عن أم كلثوم الفنانة، والانتقادات التي طالت الفيلم لكونه أظهر سيدة الغناء العربي بخيلة أو عصبية، أو مدخنة، يريد أن يجردها من خصائص الإنسانية بأخطائها وتناقضاتها، ويضفي عليها صفة الملائكية والقداسة.
ملاحظة أخيرة لفتتني فمن غير اللائق في فيلم عن أم كلثوم، التي قالت لابن أختها عن تسجيل أغنية مصر التي في خاطري «التسجيل دا ما يروحش الإذاعة أنا غلطت ثلاث مرات» أن يشوب فيلمها أخطاء، كان من السهل تفاديها، فتقول منى زكي «نتشرف بحضورُكم» أو تغني «وتنمّ عن وجدِ شؤونُه» بدل (وجدٍ) فترتكب خللا عروضيا وخطأ نحويا وفسادا في المعنى في كلمة واحدة. كما لا أدري لماذا غيّر صانعو الفيلم الأغنية التي سقطت أم كلثوم وهي تؤديها، إذ ليست أنت عمري بل الأطلال، وتحديدا عند البيت الشهير هل رأى الحب سكارى مثلنا، وتسجيل الحفلة متاح على اليوتوب. ومع هذه السقطات يحسب للفيلم أنه أثار جدلا كبيرا أعاد إلى الأذهان سيرة مطربة قالت عنها المغنية الأسطورية ماريا كالاس «صوت أم كلثوم لا يُقارن».
شاعرة وإعلامية من البحرين
المنطقة العسكرية الشرقية تسقط بالونات محملة بالمخدرات
فصل التيار الكهربائي عن مناطق بالأغوار الشمالية الثلاثاء
المنتخب الوطني لكرة اليد يلتقي نظيره الإيراني الثلاثاء
الكرملين يقول إن محادثات أبو ظبي بشأن أوكرانيا بناءة
مليون دينار موازنة أشغال مادبا للعام 2026
الهيئة الخيرية الأردنية تواصل توزيع الخبز داخل قطاع غزة
وفاة مسنة جراء البرد القارس جنوب قطاع غزة
قوات الاحتلال تقتحم بلدات فلسطينية عدة وتعتقل العشرات
تسجيل 12 هدفا في الجولة الـ 11 من دوري المحترفين
استشهاد فلسطيني وإصابة طفلة في غزة وخانيونس
نتائج الفرز الأولي لوظيفة مدير صندوق البريد .. رابط
إحالات إلى التقاعد في وزارة التربية .. أسماء
الحكومة تعلن عن وظيفة قيادية شاغرة .. التفاصيل
قراءة في نظام تنظيم الإعلام الرقمي
فرصة استثمارية نوعية سوق إربد المركزي
المخاطر الصحية الخفية للسفر الجوي
دليلك للسياحة في الهند للاستمتاع بمغامرة لا مثيل لها
ما الذي يحدث في الحسكة ويستقطب العالم
دعاء اليوم السادس من رمضان 1447
وزير الصحة: 3 آلاف وظيفة جديدة في الصحة خلال العام الحالي
دعاء اليوم السابع من رمضان 1447
دعاء اليوم الثامن من رمضان 1447هـ

