مأزق الدول الغربية أمام سجناء «داعش» في العراق

مأزق الدول الغربية أمام سجناء «داعش» في العراق

28-01-2026 07:46 AM

«تتابع عن كثب» و«تراقب بقلق» و«تجري الاتصالات اللازمة مع كل الأطراف المعنية» و«مستعدة لتقديم كل المساعدات الضرورية»…لكنها لن تفعل شيئا أكثر من ذلك.
هذا هو حال بعض الدول الغربية في تعاطيها مع ملف سجناء «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) في شمال شرق سوريا وعملية نقلهم الجارية إلى العراق وما حدث من فرار البعض منهم بعد تراجع «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) أمام القوات الحكومية السورية، لكنها ليست في وارد قبول عودة مواطنيها من مقاتلي هذا التنظيم من المساجين إلى بلادهم لمحاكمتهم هناك.
فرنسا مثلا اتصل رئيسها برئيس الوزراء العراقي وتناولا «النقل المؤقت لعدد من عناصر تنظيم داعش الإرهابي من الجنسيات الأجنبية المعتقلين في سجون قسد وإيداعهم في السجون العراقية» وفق ما أعلنه مكتب محمد شياع السوداني لكنه لم يوضح ماذا كان رد إيمانويل ماكرون على ما شدّد عليه المسؤول العراقي بخصوص «أهمية أن تضطلع دول العالم ولاسيما دول الاتحاد الأوروبي بمسؤولياتها وأن تتسلم هؤلاء العناصر ممن يحملون جنسياتها وضمان محاكمتهم ونيلهم الجزاء العادل».
ومع أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أجرى هو الآخر مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء العراقي «ناقشا فيها الجهود الدبلوماسية الجارية لضمان عودة مواطني الدول في العراق إلى أوطانهم بسرعة وتقديمهم إلى العدالة»، كما جاء في بيان الخارجية الأمريكية فإن لا شيء من ذلك قيد الإجراء إلى درجة استدعت من المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية أن يصرح أن بلاده «لم تتلق أي طلب من الدول المعنية لتسلم عناصر داعش من مواطنيها ومحاكمتهم».
وإذا كان بلد مثل سويسرا اتخذ مجلسه الفيدرالي منذ مارس/ آذار 2019 قرارا بعدم المضي في أية إجراءات لاسترجاع مواطنيه المتورطين في الإرهاب، فإن باقي الدول وأساسا فرنسا وبريطانيا تبدوان على نفس الخط بغض النظر ما إذا كان مثل هذا القرار اتخذ من مؤسسات رسمية في البلاد أو هو موقف سياسي وأمني معلن لا غير.
المشكل هنا أن الأمر لا يتعلق فقط بهؤلاء المقاتلين السجناء المقدّر عددهم الإجمالي بزهاء السبعة آلاف مصنفين خطرين، ولكن أيضا بعائلاتهم القابعين في مخيمات خاصة أشبه بمعسكرات عزل وعددهم بعشرات الآلاف كلهم من النساء والأطفال الذين يكبرون دون تعليم ولا رعاية خاصة. أكبر هذه المخيمات مخيم الهول شرق الحسكة قرب الحدود العراقي (التقديرات أنه يضم زهاء 24 ألفا) إلى جانب مخيم روج شمال شرقي المحافظة وكلاهما كان تحت إشراف ما كان يعرف بـ«الإدارة الذاتية» شمال شرق سوريا.
صحيح أن الدول الغربية غير الراغبة في استعادة مواطنيها من بين سجناء «داعش» كثيرا ما تتحجج بصعوبات قانونية وتعقيدات تحول دون إجراء محاكمات عادلة لهم على أراضيها، لأن الوقائع التي يحاكمون من أجلها لا تعرف تفاصيلها بالضبط، وهي التي جرت على بعد آلاف الأميال في كل من سوريا والعراق، أو لأن الاعترافات المسجلة في ملفاتهم قد لا تكون أخذت وفق الأصول الإنسانية والقانونية السليمة مع شبهات التعذيب التي وثّقتها منظمات حقوقية دولية في تقارير مختلفة، ولكن هناك أيضا بعدا آخر غير معلن وهو أن الكثير من هؤلاء ليسوا غربيين «أصليين» وإنما هم من المهاجرين العرب والمسلمين الذين اكتسبوا جنسيات الدول الغربية التي أقاموا فيها لسنوات وبالتالي فالدوائر السياسية والأمنية لا تنظر إليهم دائما على أنهم فعلا من مواطنيها «الحقيقيين».
يبدو العراق اليوم وكأنه ترك لمصيره يواجه وحده هذه المعضلة التي ظن أنه انتهى منها بعد هزيمة التنظيم عام 2019، مكتفيا بما لديه أصلا في سجونه من عناصر تنظيم الدولة من العراقيين، بعد سنوات صالوا فيها وجالوا بين العراق وسوريا حين سيطروا على ثلث مساحتهما. ومع تأكيد الجميع بأن نقل السجناء إلى العراق هو إجراء «مؤقت» لكن لا شيء يطمئن تماما في هذا الاتجاه في منطقة عادة ما كان فيها المؤقت دائما.
وتسعى بغداد حاليا، مدعومة من واشنطن التي دفعتها أصلا إلى استقبال هؤلاء، إلى إقناع أقصى ما يمكن من الدول للمشاركة في معالجة هذه القضية التي ليس من الممكن، ولا من العدل أن ترمى على كاهل العراق دون غيره، على أهمية ما يمكن أن تقدّمه هذه الدول من دعم مالي ولوجيستي كالذي أشارت إليه باريس مثلا. في هذا السياق تحديدا يأتي اتصال وزير الخارجية العراقي مع مفوضة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي محاولا إقناعها بـ«أهمية التعاون المشترك بين العراق والاتحاد الأوروبي في إدارة ملف سجناء تنظيم داعش الإرهابي حيث تقع المسؤولية على عاتق جميع الدول المعنية».
وهكذا فإنه ورغم مرور أكثر من ست سنوات على احتفال «التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية» في نيويورك بهزيمة هذا التنظيم، فإن التحالف يبدو اليوم مفتقرا لرؤية واضحة متماسكة للتعامل مع ما وصفه البعض حاليا بـ«أكبر تجمّع للإرهابيين في العالم» مع نسائهم وأطفالهم. وضع أعاد بقوة طرح قضية محاربة الإرهاب التي رفعت لواءها واشنطن والدول الغربية بعد أن وقفت اليوم أمام حقيقة مزعجة ومحرجة هي أن ذيول المسألة تجعلها اليوم أبعد ما تكون أن قد سوّيت نهائيا.

كاتب وإعلامي تونسي



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان

الحبس 6 أشهر لسيدة احتالت على أخرى بإبرة تجميل من إسرائيل

هدى العتوم تنتقد السماح باحتفالات الهالوين والتضييق على احتجاجات غزة

87 مليون يورو من صندوق المناخ الأخضر لدعم مشاريع في الأردن

شركات استبدلت موظفيها بالذكاء الاصطناعي ثم تعود لتوظيفهم .. ما القصة؟

القضاء العراقي يسترد 21 مليارا عن جريمة احتيال مالي

السيسي يصدر 3 توجيهات تهم ملايين المصريين

زين تعزز منظومة حماية الأسرة والطفل بالتعاون مع مؤسسة نهر الأردن

ما حقيقة فرض غرامة 225 ألف دينار على مزارع بسبب مياه الأمطار؟

وزير الثقافة يعلن بلدة "حمود" مدينة للثقافة الأردنية لعام 2027

الذهب والنفط وفلس الريف .. "الطاقة" تستعرض تقدم مشاريعها الاستراتيجية

الصادرات الأردنية للاتحاد الأوروبي ترتفع إلى 411 مليون دينار

5 شهداء ومصابون في قصف الاحتلال مواصي خانيونس بغزة

مجمع الملك الحسين للأعمال يوقع مذكرة تفاهم مع اتحاد الرياضات الإلكترونية

انطلاق المؤتمر الفني الدولي الـ38 للاتحاد العربي للأسمدة بعمان الثلاثاء

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة

أردنيون أمام مهلة شهرين لتسديد التزامات مالية .. أسماء