أسس اختيار حقول التوجيهي؛ مجنون يحكي عاقل يسمع

 أسس اختيار حقول التوجيهي؛ مجنون يحكي عاقل يسمع

28-01-2026 11:09 PM

قبل يومين أعلنت وزارة التربية والتعليم ما أطلقت عليه: أسس توزيع طلبة الصف الحادي عشر للمسار الأكاديمي على الحقول، وأشارت إلى أنّ تطبيقه ابتداء من العام القادم؛ يعني، على السريع وكالعادة القرار الصعب في الشوط الثاني ويطبق بأثر رجعي.
يقول القرار في نقطته الأولى أنّ توزيع الطلبة على الحقول الأربعة سيكون حسب رغبة وميول الطلبة، وهذا للأمانة جيد وكرم كبير من الوزارة؛ لأنّه يراعي رغبة الطلبة وأولياء أمورهم، ويتماشى مع إستراتيجيات التطوير العالمية.
لكن في النقطة الثانية، بل في السطر التالي، تراجعت الوزارة عن كرمها وفكرة الرغبة والميول، وبذلك يحضر التناقض المعتاد من خلال جبر وفرض الحقول على الطلبة.
لكن أين الفرض أو الإجبار؟
سيطال الفرض كثيراً الطلبة، حيث سيجبرون على الحقل، لأنّ الوزارة حدّدت القدرة الاستيعابية لكلّ حقل بـ (٣٠٪؜) فقط.
طيب، ما هو معيار المفاضلة والتنافس على الحقل الصحي مثلاً؟
بسيطة، حلّت الوزارة ذلك من خلال تنافس الطلبة بمعدل العاشر والحادي عشر.
لكن، هل يعقل ذلك؟ وبعد مضي فصل دراسي كامل، نعود بأثر رجعي ونعتمد فجأة معدل العاشر والحادي عشر؟ ألم نتعلّم ونعلّم -كتربويين- أنّ معرفة وشرح المعايير قبل البدء بأيّ نشاط تعليمي يُعدّ ضرورة حتمية من أجل ضمان سلامة وكفاءة وعدالة وجودة النشاط التعليمي، وتحقيق أهدافه المعلنة؟ إذن كيف سنحاسب طلبة العاشر والحادي عشر فجأة على علاماتهم بفصل مضى وانتهى، وكيف سنعدّها معياراً لتحديد مستقبله، وفجأة أيضاً؟
طيب، عملية اختيار الحقل ستتم في هذه الفترة، فكيف ستكون المنافسة على المعدل ولا يزال الفصل الدراسي الثاني في بدايته؟ وبالتالي متى سيعرف الطلبة حقولهم التي قُبلوا فيها؟
بسيطة، سيعرف الطلبة حقولهم بعد نهاية الفصل الثاني، وقبل بدء العطلة الصيفية، فترتاح أعصابهم وأعصاب أهاليهم. لكن للأسف سيكون عندنا مشكلة؛ وهي أنّ النتائج المدرسية لا تكتمل وتُقرّ إلّا بداية العام الجديد، وبعد تأدية الطلبة للإكمال، في نهاية شهر آب، وبالتالي لن تُحسم مسألة الحقل إلّا بعد العطلة الصيفية وبدء العام الجديد، فعذراً مقدماً من أعصابهم.
طيب، إذا تساوى مجموعة من الطلبة بالمعدل خلال المنافسة على شاغر في حقل ما، فما العمل حينها؟ شوطان إضافيان مثلاً أم ضربات جزاء أم إجراء القرعة؟
نعود لمعيار وسقف الاستيعاب (30٪؜)، ونسأل: هل سيطبق داخل كلّ مدرسة على حدة، أم على مستوى المديرية ككل، أم الوزارة ككل؟
والسؤال الآخر: هل تُوفر هذه الأسس العدالة بين الطلبة (على المستوى العام) في الحصول على الحقل أو الشاغر؟
يعني، طالب في مدرسة (س) معدلة (في العاشر والحادي عشر) 60% قد يتمكن من الحصول على مقعد في الحقل الصحي بسبب عدد طلاب المدرسة أو حسابات رياضية أخرى، بينما طالب في مدرسة (ص) معدله (80%) وربما (90%) قد يفشل بالحصول على الحقل ذاته للأسباب والحسابات نفسها!!
إذن الطالب الذي لن يحصل على الحقل الذي يرغبه في مدرسته، سيبدأ وذووه برحلة البحث عن شاغر بالحقل المرغوب في مدرسة أخرى، وهكذا...
طيب، إذا اختار في المدرسة نفسها (٣٠٪؜) من الطلبة الحقل الصحي، و٣٠٪؜ حقل التكنولوجيا والهندسة، وبقي (10) طلاب للحقلين المتبقيين مثلاً، فهل ستفتح لهم الوزارة غرفتين صفيتين وبكادرهما للحقلين الآخرين، أم سيهيمون على وجوههم في طول البلاد وعرضها؟
لكن، المهم أيضاً، ما هو وضع القطاع الخاص؟ وما هو محيط تنافس طلبة القطاع الخاص؟ يعني، جماعة الخاص ومعدلات (٩٩٪؜) بالعاشر والحادي عشر، هل ستكون الطريق مفتوحة أمامهم لاختيار ما يريدونه من حقول؟ وإذا لم يتحصّلوا على الشاغر بمدرستهم، بسبب هذه المعدلات المرتفعة أيضاً، فهل سينافسون طلبة المدارس الحكومية على شواغر الحقول؟
قد يقول قائل هذه مشكلة، لأنّه في هذه الحالة سيضطر الناس لتسجيل أبنائهم بالمدارس الخاصة (حتى لو بدهم يشحذون الملح)؛ لضمان طريق مفتوحة أمام أبنائهم وبالتالي الحقل الدراسي المطلوب.
نعم صحيح هذا ما سيحصل، وهو المطلوب، وإلّا كيف اسمه خصخصة؟
بالنهاية، من يريد تطبيق نظام حقول بهذا الشكل، ويأخذ فيه رغبة وميول الطلبة، فلا يجوز له منطقياً أن يحدد نسبة مئوية لكلّ حقل؛ لأنّ هذا يتعارض مع فكرة الرغبة والميول، بل يصبح وكأنّه قفز وقبول جامعي آخر مسبق ومفروض. كما أنّه لا يتناسب مع الواقع الميداني بكلّ جوانبه. وهذا يدفعنا للسؤال: هل ستجد وزارة التربية والتعليم الوصفة العلاجية بأن تستمع للميدان التربوي وتشركه -ولو لمرة واحدة- في صياغة نظام للثانوية العامة متطوّر وسليم ويناسب واقعنا التربوي؟
علماً أنّ هذا التحديد وفرض الحقول أو الحزم لم يستخدم في تاريخ التربية والتعليم في الأردن (على حدّ علمي) إلّا في زمن هذه الوزارة، فسابقاً كانت رغبة الطالب وميوله هي التي تحدد (أدبي، علمي، معلوماتية، وحتى نظام الحقول في العام الحالي قبل هذه الأسس الجديدة)، فهل هذا هو التطوير الذي تقوده الوزارة، أم أنّها تحاول جاهدة ترقيع نظام سُلق على عجل وغير قابل للحياة؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد