هل ستصمد إيران في الحرب

هل ستصمد إيران في الحرب

01-03-2026 07:55 PM

لم يعد التصعيد الأميركي–الإسرائيلي ضد إيران مجرد جولات متفرقة من الضغط العسكري أو رسائل ردع محسوبة السقف، بل دخل—وفق ما تداوله إعلام غربي وتقارير تحليلية عديدة—طوراً مختلفاً عنوانه “استمرار الحملة” ورفع وتيرة الضربات واستهداف البنية القيادية ومراكز الثقل السيادية. وفي هذا السياق برزت تقارير منسوبة لمنصات تحليلية، تتحدث عن عملية عسكرية واسعة ، وتذهب إلى حدّ القول إن الضربات الدقيقة أصابت قلب المنظومة الحاكمة وصولاً إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، وتحييد عدد كبير من القيادات المحورية.
سواء اتفقنا أو اختلفنا مع دوافع تلك التقارير وتوجهاتها السياسية، فإن الأهم في القراءة التحليلية ليس “الخبر” بحد ذاته، بل ما يفتحه من أسئلة كبرى حول معنى انتقال المواجهة من ضربات ردعية إلى حملة طويلة النفس، وكيف يمكن لدولة بحجم إيران—جغرافياً وسكانياً ومؤسساتياً—أن تتعامل مع صدمة من هذا النوع بينما تتعرض في الوقت ذاته لضغط عسكري متواصل وتحديات داخلية متراكمة.
الحملة الأميركية–الإسرائيلية، بحسب ما ورد في التحليلات المذكورة، اعتمدت على عنصرين متلازمين: ضربات دقيقة تستهدف مراكز القيادة والتحكم، وحرب سيبرانية تُعطّل الاتصالات وتُربك القدرة على التنسيق والرد. وعندما تُصاب “العصبونات” التي تربط مؤسسات الدولة ببعضها، فإن الخلل لا يظهر فقط في الميدان العسكري، بل يمتد إلى إدارة الداخل، وإلى الاقتصاد، وإلى قدرة السلطة على إنتاج خطاب “تماسك” مقنع للجمهور.
هنا يبرز العامل الأخطر: الداخل الإيراني. التقارير نفسها تتحدث عن “شارع مختلف” لا يلتف بالضرورة حول السلطة، بل قد يُظهر أشكالاً من الرفض والشماتة والاحتجاج، بما يعني أن معادلة “الحرب توحّد الشعوب خلف الأنظمة” ليست قاعدة ثابتة. فالاحتقان الاقتصادي، وتراجع العملة، وتآكل الطبقة الوسطى، والقيود الاجتماعية، وملفات الاحتجاجات السابقة، كلها جعلت المجتمع الإيراني في حالة استعداد للتفاعل خارج الإطار التقليدي، خصوصاً إذا شعر أن قبضة الدولة لم تعد صلبة كما كانت.
ومن زاوية الإقليم، تطرح التقارير المشار إليها نقطة شديدة الحساسية: أن الرد الإيراني—أو جزءاً منه—طال دولاً خليجية، الأمر الذي أدى إلى موجة إدانات عربية واضحة ضد طهران، وفتح الباب أمام اصطفاف إقليمي جديد لا يقوم على الحياد الرمادي، بل على مبدأ “حماية السيادة” ورفض نقل المواجهة إلى أراضي دول أخرى. وإذا صحّ هذا الاتجاه، فإن إيران لا تواجه خصماً عسكرياً فقط، بل تواجه أيضاً بيئة إقليمية آخذة بالتبدل، حيث تتراجع “المناطق العازلة” السياسية، وتتقلص هوامش الحركة الدبلوماسية.
لكن السؤال المركزي يبقى: هل يؤدي استمرار الهجمات الأميركية–الإسرائيلية إلى “سقوط النظام”؟ التاريخ السياسي يقدّم لنا جواباً أكثر تعقيداً: الأنظمة لا تسقط بالقصف وحده، ولا تبقى بالقمع وحده. السقوط—حين يحدث—يأتي غالباً من التقاء ثلاثة مسارات: استنزاف خارجي يمنع الدولة من التقاط أنفاسها، وشرخ داخلي يُفقد السلطة شرعيتها أو قدرتها على الإدارة، وانقسام داخل النخبة أو المؤسسة الأمنية يُعطّل القرار ويُضعف الانضباط. ومن دون هذا “الالتقاء الثلاثي”، قد تتحول الضربات إلى عامل إعادة تموضع للنظام بدلاً من إسقاطه، عبر تشديد القبضة، وفرض أحكام طوارئ، وإعادة توزيع مراكز النفوذ داخل الحرس الثوري وأجهزة الأمن.
في المقابل، لا ينبغي التقليل من أثر “الصدمة القيادية” إن صحت الروايات حول تحييد رأس الهرم أو ضرب مراكز سيادية شديدة الحساسية. لأن الدولة التي تُدار بمنطق المركز الواحد تصبح أكثر هشاشة عندما يتعرض ذلك المركز للاهتزاز. وهنا تزداد أهمية سؤال “الخلافة” داخل النظام: هل ينجح في انتقال منظم للسلطة يحفظ التماسك، أم أن الصراع على الوراثة السياسية والأمنية يفتح الباب أمام تفكك تدريجي؟
ثم تأتي عقدة الملف النووي. فحتى لو تعرضت القيادة لضربات، يبقى السؤال: ماذا عن البنية التقنية والمعرفية؟ وهل يدفع الضغط المتواصل بعض الدوائر إلى خيارات متسرعة، أم يفرض مساراً تفاوضياً جديداً؟ وبين هذا وذاك، يبقى المجتمع الدولي أمام معضلة: كيف يمنع الانزلاق إلى فوضى إقليمية، وكيف يدير مرحلة ما بعد الضربات إن استمرت، دون تحويل إيران إلى “فراغ” يُصدّر عدم الاستقرار؟
الخلاصة أن إيران تقف عند مفترق تاريخي. استمرار الهجمات الأميركية–الإسرائيلية—إن بقي على حاله—قد يدفع نحو أحد مسارين: إما إعادة إنتاج السلطة الإيرانية بوجه أكثر صلابة وتشدداً تحت عنوان “التهديد الوجودي”، وإما فتح الباب أمام تحولات داخلية عميقة إذا تزاوج الضغط الخارجي مع تآكل الداخل وانقسام النخبة. وفي لحظات التحول الكبرى، لا يكون السؤال: “هل يحدث التغيير؟” فقط، بل: “كيف يحدث؟ وبأي كلفة؟ وعلى أي صورة تستقر الدولة؟”
الأيام المقبلة ليست مجرد “أيام عادية” في سياسة الشرق الأوسط. إنها أيام تُعاد فيها صياغة التوازنات، وتُختبر فيها الدولة الإيرانية من الداخل والخارج معاً. وما كان يُظن بالأمس بعيداً، قد يصبح اليوم قريباً—لكن ليس بالضرورة بالطريقة التي يتوقعها الأكثر اندفاعاً أو الأكثر تفاؤلاً.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد