الصراع الأمني في إيران بين الحقيقة والتضليل

الصراع الأمني في إيران بين الحقيقة والتضليل

31-05-2026 07:53 PM

نُشِرَتْ مؤخراً ما قيل بأنها مزاعمٌ أمريكيةٌ قديمةٌ جديدة؛ لتضليل الرأي العام الإيراني لإثارة الفتنة وزرع بذور الشك بين قيادات إيران وضرب المؤسسات ببعضها وإحداث اصطفافات جديدة قد تضعف الموقفين السياسي والعسكري الإيرانيين وبالتالي إتاحة المجال لأي تمرد جماهيري ممكن؛ كي يحدث التغيير في قلب إيران، وفق رؤية المعارضة الإيرانية في الخارج والداخل والمدعومة أمريكياً، وبالتالي إسقاط النظام كهدف معلن للعدوان الأمريكي الإسرائيلي المستمر على إيران منذ فجر يوم 28 فبراير 2026 والذي أدى إلى تصفية أهم رموز القيادة الإيرانية بمن فيهم المرشد علي خمانئي وقد باءت هذه الجهود اليائسة بالفشل الذريع.
لقد أصيبت أمريكا بالخيبة لنجاح إيران في إسقاط الأهداف الأمريكية المعلنة، وبناء استراتيجية جديدة تقوم على الشروط الإيرانية التي تركز على الوقف الشامل للحرب على جميع الجبهات، وتحديداً في لبنان، ورفع العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران بالكامل، أيضاً الإفراج عن كافة الأصول والأرصدة الإيرانية المجمدة، ودفع تعويضات عن الخسائر الناتجة عن الحرب، والأهم اعتراف واشنطن بسيادة إيران الكاملة على مضيق هرمز .
قدرة إيران على إحراج الموقف الأمريكي لفرض قواعد اشتباك جديدة زاد من الحراك الأمريكي الإسرائيلي اليائس؛ لتعزيز الانشقاقات المزعومة داخل إيران بغية تقويض أركان الدولة وتهيئة الظروف المواتية لإنجاح أي حراك جماهيري مزعوم من خلال نشر التضليل الإعلامي الذي بدأ ببث أكاذيب حول محاولة تجنيد الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد..
وكانت مجلة نيوزويك الأمريكية سباقة في ذلك، حيث نشرت تقريرًا في يوليو 2024 تحدث عن محاولة اغتيال مزعومة لمحمود أحمدي نجاد عبر تخريب سيارته، استنادً إلى معلومات نقلتها قناة إيران انترناشونال المعارضة.
لكن التقرير لم يذكر وجود دليل مباشر على تورط وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) أو الموساد، كما أن الجهات الإيرانية الرسمية لم تؤكد تلك الرواية.
أما فيما يتعلق بالروايات الأحدث المتداولة حول قصف منزل أحمدي نجاد ووجود خطة أمريكية إسرائيلية لإخراجه من الإقامة الجبرية أو توظيفه في مرحلة ما بعد النظام، فقد ظهرت خلال عام 2026 تقارير إعلامية غربية مثيرة للجدل، نقلت عن مسؤولين مجهولين أن ضربة استهدفت منزله كانت جزءًا من سيناريو مرتبط بتغيير النظام كما جاء في نيويورك تايمز.
إلا أن هذه الروايات واجهت تشكيكًا واسعًا من خبراء في الشأن الإيراني، ووصفت بعض التحليلات تلك المزاعم بأنها مليئة بالثغرات وغير مدعومة بأدلة علنية كافية.
لكن التشكيك بهذه التقارير أيضاً لا ينفي حدوثها في دولة محاطة بالأعداء وتنخرها النشاطات الاستخباراتية للمخابرات المركزية الأمريكية والموساد والعملاء من عناصر المعارضة في الداخل، التي تواجه التركيبة الأمنية الإيرانية المتمثلة بالحرس الثوري وأجهزته الأمنية.
فمنذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، ظل النظام الإيراني يعيش هاجس الاختراق الأمني والانقلاب الداخلي أكثر من خوفه من التهديدات الخارجية. فالدولة التي أطاحت بجهاز السافاك الشهير، الذراع الأمنية للشاه محمد رضا بهلوي، أعادت بناء منظومة أمنية أكثر تعقيداً وتشابكاً تحت مسميات جديدة، لتصبح الأجهزة الأمنية والعسكرية اليوم أحد أهم مراكز القوة في الجمهورية الإسلامية.
وفي السنوات الأخيرة، عادت أسئلة حساسة إلى الواجهة حول طبيعة الصراع داخل النظام الإيراني، خصوصاً بعد تصاعد الخلافات بين الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد ومؤسسات الحكم التقليدية، وعلى رأسها مكتب المرشد الأعلى والحرس الثوري.
*من السافاك إلى وزارة الاستخبارات والحرس الثوري
تأسس جهاز السافاك عام 1957 بدعم مباشر من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) وجهاز الموساد الإسرائيلي في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، وكان الهدف منه حماية النظام الملكي ومواجهة الخصوم السياسيين.
وقد اشتهر الجهاز بعمليات المراقبة والاعتقال والتعذيب الواسعة. وبعد الثورة الإسلامية جرى حل السافاك رسمياً وإعدام عدد من كبار قادته.
إلا أن عدداً من الدراسات والباحثين في تاريخ أجهزة الاستخبارات الإيرانية يشيرون إلى أن جزءاً من البنية البشرية والخبرات الأمنية للسافاك انتقل لاحقاً إلى الأجهزة الجديدة التي أسسها النظام الثوري.

لكن مع مرور الوقت تشكل جهازان رئيسيان:
وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية (MOIS) التي عرفت في بدايتها بجهاز سافانا، وتُعد واحدة من أهم الوزارات السيادية في البلاد. تأسست عام 1983 لتحل محل وكالة الاستخبارات التابعة للشاه وتعمل بشكل أساسي في مجالات الأمن الداخلي، ومكافحة التجسس، والرصد الاستراتيجي للمعارضة داخلياً وخارجياً.. ويعد نشاطه أوسع نطاقاً لذلك هو عرضة للاختراق.
جهاز استخبارات الحرس الثوري.. ويعتبر جزءًا من مجلس التنسيق المخابراتي الإيراني.. ويرأسه حسين طائب.
وأصبح التنافس بين الجهازين جزءاً من طبيعة النظام نفسه.. وقد تجلى ذلك في الصراع بين الرئيس الأسبق أحمدي نجاد والمرشد خامئني.
*أحمدي نجاد والبحث عن مراكز القوى لمواجهة صلاحيات الخميني
عندما وصل محمود أحمدي نجاد إلى الرئاسة عام 2005 كان يُنظر إليه بوصفه أحد أبناء الحرس الثوري والتيار المحافظ المتشدد.
لكن سنوات حكمه الثانية شهدت تصاعداً في الخلافات بينه وبين شخصيات نافذة داخل النظام، خاصة بعد بروز ما عرف آنذاك بـ"التيار المنحرف"، وهو الوصف الذي استخدمه خصومه للإشارة إلى الدائرة المقربة منه.
وتفاقمت الأزمة عندما دخل في صدامات سياسية مع مؤسسات مرتبطة بالمرشد الأعلى، ما أدى إلى تراجع نفوذه تدريجياً وإبعاده عن مراكز القرار الرئيسية.
فقد كشف معهد ستراتفور للمعلومات الاستخباراتية في أبريل 2011، عن خلاف اندلع بين المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران علي خامنئي ورئيس الجمهورية محمود أحمدي نجاد بشأن المؤسسة الأمنية وهي نقطة في غاية الحساسية بين الطرفين.
وتعود أسباب هذا الخلاف بالدرجة الأولى إلى نية المرشد الأعلى للثورة الإسلامية -وهو الحاكم الفعلي للبلاد- لإصلاح المؤسسة الأمنية المعروفة باسم وزارة الأمن والمخابرات (اطلاعات) وتحويلها إلى مؤسسة خارج دائرة السلطة التنفيذية مما سيؤدي إلى تداعيات ليس على تمركز أدوات السلطة بيد الرئيس وحسب بل وعلى القدرات المستقبلية لهذه المؤسسة.


*كيف حاول التحالف الأمريكي الإسرائيلي استثمار هذه الصراعات؟
هذا محتمل لكنه يبقى حبيس الافتراضات التي تتراوح بين الحقيقة والتضليل.. فقد ظهرت خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في ظل تصاعد التوتر الإيراني الإسرائيلي، تسريبات وتقارير إعلامية تحدثت عن إمكانية استثمار الخلاف بين أحمدي نجاد ومراكز القوة التقليدية داخل الجمهورية الإسلامية. غير أن هذه الروايات لم تُدعّم حتى الآن بأدلة استخباراتية معلنة أو وثائق رسمية.. فظلت مدرجة ضمن إطار التحليل السياسي والتقديرات الاستخباراتية غير المؤكدة.
وهذا أيضاً لا يعني عدم وجود مثل هذا الصراع في النظام الأمني الإيراني
* هل تبنى الحرس الثوري إعادة تشكيل السلطة؟
التطور الأكثر أهمية لا يتعلق بأحمدي نجاد بقدر ما يتعلق بصعود الحرس الثوري نفسه من خلال الصراع الاستخباري بين استخبارات الحرس الثوري ووزارة الاستخبارات والأمن الوطني الإيرانية.. ومؤسسات الدولة وعلى رأسها البرلمان.
فخلال العقدين الماضيين تحول الحرس من مؤسسة عسكرية عقائدية إلى مركز قوة سياسي واقتصادي وأمني واسع النفوذ.
وتشير تقارير غربية وإيرانية معارضة إلى أن شخصيات مثل محمد علي جعفري وأحمد وحيدي لعبت أدواراً محورية في إعادة هيكلة الحرس الثوري وتعزيز قدراته الاستخباراتية والسيبرانية والأمنية.. كما ساهم جعفري في تطوير شبكات التعبئة الاجتماعية والأيديولوجية التي أصبحت لاحقاً أدوات مؤثرة في ضبط المجال السياسي الإيراني.
تحدثت تقارير إعلامية غربية مؤخراً عن وجود صراعات نفوذ داخل أجنحة الحرس الثوري، وأن تحالفات جديدة يقودها أحمد وحيدي ومحمد علي جعفري قد تكون أسهمت في تقليص نفوذ رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.
إلا أن هذه المعطيات لا تزال جزءاً من قراءة المشهد الإيراني المعقد، خاصة أن قاليباف ما زال يشغل موقعاً سياسياً مهماً ويتمتع بشبكات نفوذ واسعة داخل النظام. كما أن بعض التقارير الأخرى تصفه بأنه ما يزال لاعباً رئيسياً في ملفات التفاوض والسياسة الإقليمية.
فالحرس لم يعد مجرد قوة تحمي النظام، بل أصبح شريكاً رئيسياً في رسم السياسات الداخلية والخارجية وإدارة الاقتصاد والإعلام والأمن السيبراني.
وبهذا المعنى، فإن الصراع الحقيقي داخل إيران قد لا يكون بين إصلاحيين ومحافظين فقط، بل بين مراكز قوة أمنية متنافسة داخل النظام ذاته.
في المحصلة تشير الوقائع الأكثر ثباتاً إلى أن إيران تشهد تحولاً تدريجياً نحو نموذج تتقدم فيه المؤسسة الأمنية والعسكرية على بقية مؤسسات الدولة، وهو تحول قد يكون العامل الحاسم في رسم مستقبل النظام الإيراني خلال السنوات المقبلة.. ليتمكن من حماية مكتسباته في الحرب التي من خلالها حظيت طهران بورقة مضيق هرمز.. والنتائج مرهونة بالمفاجآت في عالم متقلب يهزأ بالثوابت الجيوسياسية وخاصة في الخليج العربي الملتهب.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الجيش السوداني يعلن مقتل 7 من الدعم السريع بمعارك في "النيل الأزرق"

فرنسا تطلب اجتماعا طارئا لمجلس الأمن الدولي بشأن لبنان

مركز الخدمات الحكومي بمطار الملكة علياء ينجز 2545 معاملة خلال العيد

اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي الاثنين لمناقشة التطورات في لبنان

اللواء فايز الدويري ينعى نجله الوحيد جمال إثر نوبة قلبية مفاجئة

رفع قرابة 650 طنا من النفايات خلال عطلة عيد الأضحى في جرش

الحوكمة وإدارة المخاطر والامتثال

الصراع الأمني في إيران بين الحقيقة والتضليل

الغذاء والدواء: حبوب مونجارو التي يعلن عنها بمواقع التواصل تركيبتها مجهولة

الأردن يؤكد ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان فورا

ارتفاع الصادرات الوطنية 1.6% في الربع الأول من 2026

ارتفاع مساحات الأبنية المرخصة في المملكة بنسبة 29.3 %

الإحصاءات: انخفاض معدل البطالة لإجمالي السكان إلى 16.1%

القضاة: توجه لضم 3 آلاف دونم جديدة إلى التجمع الصناعي الصيني بالقطرانة

تكريم عاملين في سلطة البترا عثروا على مفقودات بقيمة 100 ألف دينار