"​حكايات العبور واليد الممدودة"

"​حكايات العبور واليد الممدودة"

13-07-2026 03:15 PM



​في زحام الحياة، يظل "فعل المساعدة" لغزاً جميلاً يثير دهشة الفلاسفة وعلماء الاجتماع على حد سواء؛ فكيف لإنسان أن يقتطع من وقته، أو يرهق جسده، أو يضحي بسلامته من أجل غريب لا تجمعه به سوى لحظة عابرة؟

إن المساعدة ليست مجرد حركة ميكانيكية، بل هي مرآة تعكس تعقيدات النفس البشرية التي تتمازج فيها غريزة البقاء بومضات الإيثار النبيلة.
​تتعدد القراءات النظرية لهذه الظاهرة؛ فبينما يرى "التبادل الاجتماعي" أننا نزن في أعماقنا "تكلفة العطاء" مقابل "ربح الرضا النفسي" أو المكانة الاجتماعية، وتذهب "المعايير الاجتماعية" إلى أننا نساعد لأن أعرافنا وثقافاتنا جعلت من نجدة الآخر "واجباً أخلاقياً" لا فكاك منه، نجد في "فرضية التعاطف" صوتاً أكثر عذوبة، حيث يصبح الوجع المشترك هو المحرك الوحيد، فنساعد لأننا نحسُّ بألم الآخر وكأنه امتداد لألمنا، بلا حساباتٍ ولا طمعٍ في مقابل.
​وهذه النظريات، وإن كانت جافة في أوراق البحث، تتجسد في أبهى صورها على حدودنا؛ حيث تتحول المعابر البرية، كمركز "حدود جابر"، إلى مختبرات حية للإنسانية. هناك، حيث يتدفق المعتمرون من سوريا ولبنان وتركيا، تغدو لحظات الانتظار الطويلة في الساحات فضاءاتٍ لكسر الجليد، فتذوب الفوارق الوطنية في حضرة "الهم المشترك". في تلك الساحات، تبدو المساعدة كأغنية تتكرر كل يوم؛ سائق حافلة يفتح أبوابه ليقلّ مشاةً أرهقهم المسير بين الحدود بغير مقابل، وكوادر أمنٍ تلمح في عيونهم تفهماً كبيراً لمشقة المسافرين، يمدون يد العون للعائلات والمسنين وكأنهم يخدمون أهلهم لا الغرباء.
​هذا التضامن في الطريق يجد جذوره العميقة في وصايا النبوة الخالدة؛ فقد كان النبي الكريم ﷺ يرسخ أدب الصحبة في السفر، مؤكداً على أن "الرفيق قبل الطريق"، وموصياً بالتعاون بين المسافرين حتى في أدق تفاصيل الرحلة؛ فمن كان عنده فضل زادٍ فليعد به على من لا زاد له. إن هذه التوجيهات النبوية لم تكن مجرد نصائح عابرة، بل كانت تشريعاً لأدبِ إيثارٍ يجعل من رفيق السفر أخاً، ومن عناء الطريق فرصةً للبر والصلة، مما يضفي صبغة قدسية على كل فعل مساعدة يُبذل في هذا السياق.
​إن هذه "اللحظات المترعة بالرحمة" ليست سوى بذورٍ صغيرة، سرعان ما تورق وتثمر في تربة الحياة. فما يبدأ بقطعة خبز يتقاسمها مسافران، أو ركوبة مجانية في لحظة ضيق، يتحول مع الأيام إلى صداقاتٍ تتجاوز الحدود الجغرافية. إنها "المساعدة" التي تفتح أبواب البيوت، وتؤسس لوعودٍ بزياراتٍ عائلية، محولةً الرحلة العابرة إلى رابطةِ ودٍّ تمتد عبر مساحات الأوطان، وكأن كل مسافرٍ يحمل في حقيبته بذور مودّةٍ سينثرها في أرض الآخر.

​حتى في جذورنا البيولوجية، يخبرنا العلم أننا ساعدنا لأننا تطورنا لنبقى معاً، وفي قصصنا المكتسبة نتعلم من آبائنا كيف نكون سنداً. لكن الحقيقة تظل أعمق من كل العلوم؛ فالمساعدة هي جوهر توازننا الاجتماعي، هي الحبل الذي يربطنا ببعضنا في عالمٍ يتقلب في أهوائه.
​في نهاية المطاف، إن المساعدة هي "أجمل التناقضات الإنسانية". حين نمتد بالمعونة لغريبٍ على طريقٍ طويل، فإننا لا نكتفي بإنقاذه من عناءٍ، بل ننقذ أنفسنا من عزلةٍ قد تفرضها المادية. نحن في كل فعلِ خيرٍ نعيد تعريف إنسانيتنا، ونبني فوق أرض الشتات جسوراً من مودة، تجعل من عالمنا المترامي وطناً واحداً يتسع للجميع.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد