من مضارب بني صخر مبادرة خليفات وتحويل الحوار إلى مشروع وطني

من مضارب بني صخر مبادرة خليفات وتحويل الحوار إلى مشروع وطني

13-07-2026 11:19 PM

في مرحلة إقليمية تتسم بتصاعد الأزمات، وتزايد الاستقطابات، وتعاظم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، تبرز المبادرات الوطنية التي تعيد الاعتبار لقيمة الإنسان الأردني ووحدة المجتمع بوصفها أحد أهم روافع الاستقرار الوطني. ومن بين هذه المبادرات، تكتسب مبادرة معالي الدكتور عوض خليفات للمؤاخاة بين الأردنيين أهمية خاصة، لأنها لا تقتصر على عقد اللقاءات أو تبادل الكلمات، وإنما تسعى إلى بناء ثقافة وطنية قائمة على التواصل المباشر، وتعزيز الثقة، وترسيخ الهوية الجامعة.
إن وصول المبادرة إلى محطتها الثانية والأربعين يعكس أنها لم تعد نشاطاً عابراً، بل أصبحت مشروعاً مجتمعياً يتنقل بين المحافظات والعشائر ومؤسسات المجتمع، حاملاً رسالة واضحة مفادها أن قوة الأردن الحقيقية تكمن في وحدة أبنائه، وفي قدرتهم على تجاوز الاختلافات الثانوية لصالح الثوابت الوطنية الكبرى.
جسّد الشيخ عبدالله بن النويران العثمان الزبن بني صخر قيم الكرم الأردني الأصيل وكرم الضيافة وحسن الاستقبال، حيث استقبل ضيوفه بحفاوة، فيما تميز اللقاء بحسن التنظيم والإعداد، بما وفر أجواءً مثالية للحوار الوطني البنّاء. وقد أكدت استضافة قبيلة بني صخر لهذه المبادرة الدور التاريخي للعشائر الأردنية بوصفها شريكاً أساسياً في حماية الدولة وترسيخ السلم الأهلي، إذ لم تكن المضافات والمجالس العشائرية عبر تاريخ الأردن مجرد أماكن للضيافة، بل شكلت منابر للحوار وتعزيز التماسك الاجتماعي، بما يمنح مثل هذه اللقاءات بعداً وطنياً يعزز المحبة والوحدة الوطنية، ويجسد روح التآخي بين أبناء الوطن.
وتستند المبادرة إلى رؤية سياسية واجتماعية ناضجة، قوامها أن الأردن لا يستطيع مواجهة التحديات الخارجية إلا بجبهة داخلية متماسكة. فمنطقة الشرق الأوسط تمر بتحولات متسارعة، والصراعات الإقليمية تفرض ضغوطاً متزايدة على الدول، الأمر الذي يجعل الحفاظ على الوحدة الوطنية وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع ضرورة استراتيجية، لا مجرد شعار سياسي.
ومن أبرز الرسائل التي تحملها المبادرة التأكيد على مركزية الهوية الوطنية الأردنية، باعتبارها المظلة التي تحتضن جميع مكونات المجتمع دون تمييز. فالتنوع الديني والثقافي والاجتماعي الذي يتميز به الأردن ظل دائماً مصدر قوة، عندما يُدار في إطار المواطنة وسيادة القانون والولاء للقيادة والانتماء للوطن. ومن هنا فإن ترسيخ مفهوم أن الوطن يتسع لجميع أبنائه، وأن الحقوق والواجبات تقوم على أساس المواطنة، يمثل أحد أهم مرتكزات الاستقرار السياسي والاجتماعي.
كما تكتسب المبادرة أهمية إضافية من خلال تأكيدها الثوابت الوطنية المرتبطة بالدولة الأردنية، وفي مقدمتها الالتفاف حول القيادة الهاشمية، وصون استقلال القرار الوطني، والتمسك بالموقف الأردني التاريخي تجاه القضية الفلسطينية والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، باعتبارها جزءاً أصيلاً من الدور التاريخي والسياسي للمملكة.
وفي الوقت نفسه، لا تتجاهل المبادرة التحديات الداخلية التي تواجه المجتمع الأردني، بل تتعامل معها بقدر من الواقعية والمسؤولية. فالاعتراف بوجود قضايا مثل البطالة والفقر والمديونية والفساد يمثل مدخلاً للحوار الوطني المسؤول، لأن بناء الثقة بين المواطن والدولة يبدأ بالشفافية، والاستماع، والبحث عن حلول عملية، بعيداً عن المزايدات أو الخطابات الشعبوية.
إن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة تكمن في أنها تنقل الحوار من الفضاء الافتراضي إلى اللقاء المباشر، ومن الجدل إلى التفاهم، ومن الاختلاف إلى البحث عن القواسم المشتركة. ففي زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي ساحة للاستقطاب والانقسام، تأتي هذه اللقاءات لتعيد الاعتبار للحوار الهادئ، والاستماع المتبادل، وبناء العلاقات الإنسانية المباشرة بين أبناء الوطن.
ومن منظورسياسي، فإن المجتمعات التي تستثمر في تعزيز رأس المال الاجتماعي، وتوثيق العلاقات بين مكوناتها، تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وحماية استقرارها. ولذلك فإن مبادرة الدكتور عوض خليفات تقدم نموذجاً عملياً لكيفية توظيف الحوار المجتمعي في خدمة الأمن الوطني، ليس باعتباره مسؤولية المؤسسات الأمنية وحدها، وإنما باعتباره مسؤولية جماعية يشترك فيها الجميع.
وفي المحصلة، فإن الأردن اليوم بحاجة إلى مثل هذه المبادرات التي تعزز الثقة، وتقوي النسيج الوطني، وتؤكد أن الاختلاف لا يلغي الانتماء، وأن وحدة الأردنيين هي الضمانة الأولى لاستمرار الدولة واستقرارها. فحين يكون الوطن هو الجامع الأكبر، تصبح المؤاخاة الوطنية مشروعاً دائماً، وتتحول اللقاءات إلى استثمار حقيقي في مستقبل الأردن وأمنه واستقراره.

أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد