السودان وذكرا أبريل 1985 و2019

السودان وذكرا أبريل 1985 و2019

06-04-2026 12:41 AM

كان سجن كوبر يعجُّ بالمعتقلين السياسيين، بينهم من قضى خمس سنوات أو يوشك عليها، وبعضهم تعداها، وآخرون لم يكملوا بعد عشرة أيام منذ أن قُذف بهم في السجن إثر اندلاع انتفاضة الشعب في 26 مارس/آذار 1985. الاعتقال والسجن بالنسبة لبعض من أصحاب العشرية هذه، كان تجربة جديدة أجبروا على خوضها لأول مرة. والبعض الآخر كانت المعتقلات والسجون تعرفهم وتحفظ ملامحهم عن ظهر قلب، فهي ظلت تقتطع من عمرهم السنوات الطوال، وتسرق منهم وتحرمهم محطات ليست بالقليلة في رحلة العمر. ومن ضمن هؤلاء جاءنا الرائع الراحل محجوب شريف، «يقدل حافي حالق»، وتحدّق معنا حول المذياع في صبيحة السادس من أبريل/نيسان 1985، نستمع إلى بيان قيادة القوات المسلحة السودانية معلناً خلع النميري وانحياز الجيش إلى الانتفاضة. لم نكن ندري أن حشودا هائلة تحاصر السجن منذ الصباح الباكر، إلا عندما اهتزت السماء بهتافها «شعب أكتوبر يكسّر كوبر»، وهي تحمل مقطورة نقل ضخمة وثقيلة الوزن تحطم بها بوابة السجن الحديدية، وكأن المقطورة في أيدي الحشود مجرد فأس خفيف الوزن! في ذكرى ذلك اليوم المشهود، تنحني الهامات والرؤوس إجلالا لأولَئِكَ الأبطال، ومنهم من لم ينتظر تحطيم بوابة السجن فتسلق جدرانه الشاهقة قافزا إلى داخله ليلتقينا ونحن متحلقون حول المبدع الراحل محجوب شريف، وهو ينشد «بلا وإنجلى… حمد الله ألف على السلامة إنهد كتف المقصلة». وكثيرون منهم، لم يلبثوا أن عادوا قسرا، وبعد أربع سنوات فقط، إلى المعتقلات والسجون، وعبر بوابات مسالخ التعذيب في بيوت الأشباح التي أنشأها إنقلاب البشير في يونيو/حزيران 1989.
وفي نفس اليوم والشهر، السادس من أبريل/نيسان، ولكن بعد أربعة وثلاثين عاماً، في العام 2019، تكرر ذات مشهد الحشود الضخمة والحصار. ولكن، لم تحطم الحشود بوابة حديدية بقدر ما حطمت جدار الخوف الذي صانه نظام البشير ثلاثين عاماً. والحشود الضخمة لم تحاصر سجنا هذه المرة، وإنما حاصرت مبنى القيادة العامة للجيش السوداني وهي تطالبه بالانحياز لانتفاضة الشعب. وحتى بعد أن اعلنت اللجنة الأمنية لنظام الإنقاذ خلع البشير وتولي السلطة، ظلت الحشود معتصمة في محيط القيادة العامة للجيش تحت المطر والرصاص، لما يقرب الشهرين، فالشكوك كانت تساورها في أمر هذه اللجنة. وصدق حدسها عندما أرسلت اللجنة جنودها لفض الاعتصام، فكانت المجزرة الدموية التي أعماها الحقد على الثورة وشبابها، انتقاما وتمهيدا لانقلاب مضاد.
الحدثان يتشابهان في التاريخ، السادس من أبريل، وكلاهما انتفض شعبيا ضد نظام ديكتاتوري انتهى بسقوطه بعد انحياز الجيش للشارع. وكلاهما أعقبته فترة انتقالية فشلت في إنجاز مهامها. ولكن، هناك فروقا جوهرية تكمن في طبيعة انحياز الجيش، وعمق التغيير المطلوب، والمصير الذي انتظر كل حدث. وربما تكون العبرة أن الأبطال الذين تسلقوا جدران كوبر وقفزوا إلى داخله في العام 1989، والأبطال الذين حاصروا القيادة العامة للجيش في العام 2019، كلهم يخوضون معركة واحدة متصلة، معركة تحرير السودان من ثقافة الانقلابات والديكتاتوريات، وبناء دولته الديمقراطية المستقرة. انتفاضة 6 أبريل/نيسان 1985 كانت ضد حكم الفرد الاستبدادي، وشحنتها الثورية توقفت عند حدود خلع رأس النظام وغطائه السياسي بمساعدة قيادة الجيش التي سلمت السلطة بعد عام إلى حكومة منتخبة ديمقراطيا. ولكن، سرعان ما انقض انقلاب البشير في يونيو/حزيران 1989 ليغتال التجربة الديمقراطية الوليدة والهشة. أما في 6 أبريل/نيسان 2019، فالمشهد اختلف درامياً. فالحشود انتفضت في الشوارع ضد نظام تحالف الفساد والاستبداد المؤدلج، والاعتصام لعدة أسابيع كان حصاراً رمزياً على «الدولة العميقة» التي استعصت على الإطالة. وقيادة الشوارع دانت للجان المقاومة الشابة، كبديل حركي، لا يثق في الأحزاب ولا في الجيش ويرفض وجود الدعم السريع، وكقوى ثورية متمكنة من التكنولوجيا والتنظيم اللامركزي، رافعا مطالب الثورة إلى «حرية، سلام، وعدالة». وهو ما جعل الثورة أعمق وأطول، لكنه جعلها أيضاً أكثر عرضة للانقلابات المضادة. وحتى عندما اضطرت اللجنة الأمنية، بعد تردد كبير، إلى عزل البشير، فإنها لم تسلم السلطة للمدنيين بسهولة، بل فرضت اقتسامها معهم، قبل أن تعود وتنقلب عليهم في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، في أكبر انتكاسة للمسار الثوري. ولم يمض وقت طويل قبل أن ينفجر صراع على السلطة والموارد، وتندلع حرب تفتقر أطرافها لرؤية وطنية شاملة.
واليوم، في ذكرى الحدثين والتأمل في مآلاتهم، ينطرح سؤال وجودي: كيف يمكن بناء سلام دائم في دولة تمزقها الحرب وتفترسها الميليشيات وتسعى فيها العسكرة لأن تسود؟ الإجابة لا تكمن في الاستسلام لمعادلة إما الجيش أو الدعم السريع، بل في رفض الحرب ومقاومة الاستقطاب العسكري ابتداء، ورفض تحويل الصراع إلى «حرب أهلية» بين مكونات الشعب. فهذا الرفض يشكل أساساً أخلاقياً وسياسياً لأي تسوية مستقبلية. والإجابة تكمن أيضا في انتقال القوى المدنية السودانية من ضحية للحرب إلى فاعل للسلام يتمسك ويحافظ على البوصلة الأخلاقية وتمثيل إرادة الشعب السوداني في العيش بكرامة خارج منطق السلاح. وفي الحفاظ على الذاكرة المشتركة ورواية الحرب من منظور الضحايا، وليس المنتصرين. هذه الذاكرة المشتركة ضرورية لأي مصالحة مستقبلية ولصياغة وتطوير الرؤية البديلة من أجل بناء السودان الديمقراطي الموحد. والإجابة تكمن في إعادة تصور دور القوات المسلحة في دولة مدنية، عبر بناء جيش واحد موحد وحظر أي وجود عسكري خارجه، وعبر عملية إصلاح تجعل هذا الجيش خاضعا لإرادة الشعب وفي خدمة الوطن، لا سيدا عليه. والإجابة تكمن في تفعيل دور حقيقي للمجتمع الدولي، منطلقا من إدراك أن انهيار السودان يعني زعزعة استقرار منطقة تمتد من القرن الأفريقي إلى البحر المتوسط، ليتجاوز إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها، وليستخدم نفوذه ليس فقط لإسكات المدافع، بل لخلق الظروف التي تجعل إطلاقها مجدداً مستحيلاً.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد