الجريمة الصامتة: أن نحول العلم التطبيقي إلى تدريب مهني
28-05-2026 05:44 PM
وقف سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد وسمو الأميرة رجوة الحسين في أحد أكبر مراكز التدريب الصناعي والمهني في ألمانيا، مركز ABB في برلين.
شاهدا خطوط إنتاج حقيقية، وروبوتيكس، وأتمتة، ورقمنة، وطلاباً يتدربون على مهارات تطلبها الصناعة الألمانية بشدة , ثم قال سموه كلمة وجيزة لكنها عميقة : المشاريع الوطنية الكبرى كالناقل الوطني للمياه والسكك الحديدية تحتاج إلى كوادر مؤهلة وماهرة.
هذه الزيارة ليست بروتوكولاً عابراً, إنها لحظة يمكنها أن تكشف جراحنا التعليمية، فألمانيا لا تخلط بين العلم التطبيقي والتدريب المهني , ألمانيا تميّز ثم تربط. ونحن في عالمنا العربي والأردني بالذات نخلط ثم نخسر.
في ثقافتنا العربية المعاصرة يتردد سؤال يومي في كل بيت ومدرسة : (أي تخصص ستدرس) ؟ , ويكاد يكون الجواب الهندسة أو الطب أو العلوم التطبيقية و هو الحلم الأسمى، بينما تنظر الأسر بازدراء إلى التعليم المهني أو التدريب التقني , وهذا هو الخلط البنيوي الذي يدمر الاثنين معاً.
العلم التطبيقي الحقيقي هو أن تصنع شيئاً لم يكن موجوداً من قبل: دواء جديد، براءة اختراع، حلاً لمشكلة صناعية استعصت على العالم سنوات.
وهذا يحتاج إلى مختبرات متطورة وتمويل لسنوات وفريق بحثي يخفق تسع مرات ليصيب في العاشرة , ولا يمكن لهذا العلم أن يزدهر دون قاعدة قوية من العلوم الأساسية.
أما التدريب المهني فهو أن تعد طالباً ليكون ماهراً في وظيفة موجودة بالفعل, وهذا هو بالضبط ما يفعله مركز ( ABB) فهو يدرب فنيين على الروبوتيكس والأتمتة ليس ليخترعوا روبوتاً جديداً، بل ليشغلوا ويصونوا الروبوتات الموجودة في مصانع السيارات والطاقة, وهذا ليس أقل شأناً، بل هو عصب الاقتصاد الألماني.
الخلل أننا في الأردن والعالم العربي ارتكبنا خلطاً فوضويّاً : أسمينا التدريب المهني (بحثاً تطبيقياً) وأسمينا المعاهد المهنية (جامعات تطبيقية) وكافأنا الأستاذ الجامعي على توظيف طلبته لا على اختراعه, فخسرنا الاختراق الحقيقي مع اهانتنا للفنّي الماهر في آن واحد.
هذا التشويه يمتد من الأسرة إلى التوجيه الرسمي , والأسوأ أننا نُخرّج طالب علوم تطبيقية لا يعرف كيف يحل مشكلة صناعية حقيقية، وفنياً ماهراً يُحتقر لأنه لم يدخل الجامعة , ثم نرسل وفوداً رسمية إلى ألمانيا لنرى كيف تصنع الصناعة، ونعود لنفعل العكس.
ما رأى سمو ولي العهد في برلين ليس حلماً , هو نظام واضح : التمييز بين المسارين مع جسور عملية:
في ألمانيا نظام التعليم المزدوج لا يفصل التدريب عن التعليم النظري، بل يبنيهما معاً داخل الشركات والمدارس.
والفني الماهر يُحترم اجتماعياً وأكاديمياً ومالياً , والمخترع في المختبر يحصل على تمويل من عقود الصناعة، لا من ميزانية التوظيف فقط.
الحل الذي يمكن أن نبدأ به غداً بعد هذه الزيارة المباشرة يكمن في ثلاث خطوات:
الأولى: أن نميز بوضوح بين (جامعة بحث تطبيقي) هدفها براءات الاختراع والمنتجات الجديدة، وبين (معهد تدريب مهني) هدفه فنيون مهرة.
ثم نبني جسوراً بينهما: فني ماهر يمكنه أن يصبح مهندساً تطبيقياً، ومهندس تطبيقي يمكنه أن يطور مناهج المعاهد كما تفعل ألمانيا وكوريا وسويسرا.
الثانية: أن نغير نظام الترقيات, بحيث لا يترقى أستاذ العلوم التطبيقية بعدد الطلاب الذين وظفهم، بل ببراءات اختراع وتحسينات تراكمية وعقود مع الصناعة, ولا يترقى مدرب مهني بأوراقه النظرية, بل بسمعته في تخريج فنيين يطلبهم السوق.
الثالثة: أن نرسم خريطة وطنية , أي القطاعات تحتاج إلى فنيين ماهرين أولاً (وهذا هو حال مشاريع الناقل الوطني والسكك الحديدية)، وأيها تحتاج إلى مخترعين ثانياً؟
ثم نوجه الطلاب والميزانيات وفق هذه الخريطة, خريج التدريب المهني يدير المصنع الحالي، وخريج البحث التطبيقي يصنع المصنع القادم.
سمو ولي العهد قال إن المشاريع الوطنية الكبرى تحتاج إلى( كوادر مؤهلة وماهرة) , و لم يقل (كوادر تحمل شهادات عليا فقط) و هذا فرق عظيم.
الزيارة إلى ABB ليست صوراً تذكارية لبعض المسؤولين ولا هي إطارات إعلامية لبعض الإعلاميين ، بل هي فرصة لأن نعترف بأننا نخلط بين ما يُخترع وما يُدرّب، وبين مَن يصنع مستقبل الصناعة ومَن يدير حاضرها.
أما الاستمرار في هذا الخلط فلن ينتج إلا اقتصاداً يستهلك ما يصنعه الآخرون، ومجتمعاً لا يمنح المهارة احترامها، ولا يمنح البحث شروط ازدهاره , وستبقى زياراتنا إلى ألمانيا مجرد انبهار بما ينتجه الآخرون وليست بداية إصلاح.
سموه يبحث عن (كوادر ماهرة) للمشاريع الوطنية.. ولكن هل يجرؤ أحد في مؤسساتنا التعليمية والصناعية على إخباره أننا ما زلنا نخلط بين المهارة والاختراع، ونسمي التدريب المهني بحثاً تطبيقياً؟!
إصابة ملكة جمال مصر بشلل إثر مضاعفات ورم دماغي
اختبار جيني قد يجنب مريضات بسرطان الثدي العلاج الكيميائي
إسرائيل تجمد علاقاتها مع الأمين العام للأمم المتحدة
بين الاستشراق والاستشراق المعكوس
الخروف البلدي يسجل رقماً قياسياً وسعراً نادراً .. تفاصيل
الجريمة الصامتة: أن نحول العلم التطبيقي إلى تدريب مهني
عقوبات أوروبية على مستوطنين بسبب انتهاكات ضد الفلسطينيين
اتفاق بين واشنطن وطهران بانتظار توقيع ترامب النهائي
7 أسباب مقنِعة لاستخدام المركبات الكهربائية
لرحلة مثالية: دليل ذهبي قبل السفر وأثناءه وبعده
بدء بيع أسطوانات الغاز البلاستيكية في عمّان وهذا سعرها
فيديو لوزارة البيئة يفجر غضب الاردنيين .. شاهد
إربد: طفل يتعرض لـ7 طعنات خلال احتفالات عيد الاستقلال
إغلاق 32 فندقا في إقليم البترا وتسريح أكثر من ألف موظف
تصريح الأميرة رحمة عن “أني أولادي من إربد” يشعل التفاعل ويحقق انتشاراً واسعاً .. شاهد الفيديو
وفاة نجم قناة كراميش تهز مواقع التواصل بالأردن
صيام يوم عرفة .. الحكم والفضائل وأفضل الأعمال المستحبة
موعد صلاة عيد الأضحى والمصلى الأقرب لك .. تفاصيل
تحذير للأردنيين من صور وفيديوهات تهدف إلى ابتزازهم
توقعات بتحسن حركة الشراء .. أسعار الذهب محلياً اليوم
الغذاء والدواء: حبوب مونجارو المتداولة غير مجازة في الأردن
القبض على 3 متورطين بالاعتداء على أب وأبنائه في إربد والأمن يلاحق آخرين
