بين الاستشراق والاستشراق المعكوس
28-05-2026 05:55 PM
خلال دراستي للدكتوراه في جامعة أركنساس، التقيت بطالبة بكالوريوس من ولاية تكساس. وخلال حديث عابر سألتني عن البلد الذي جئت منه، فأجبتها: "الأردن". توقفت لثوانٍ ثم نظرت إليّ بجدية كاملة وقالت: "لا أعرف أين تقع الأردن، لكن هل ما زال الناس هناك يركبون الجمال ويسكنون في الخيام؟"
ابتسمتُ في البداية ظنًا مني أنها تمزح، لكنها لم تكن كذلك على الإطلاق.
لم تكن تلك اللحظة مجرد موقف طريف يُحكى، بل كانت كاشفةً لسؤال أعمق بكثير: من أين تأتي هذه الصور؟ وكيف تترسّخ في وعي إنسان متعلم يعيش في القرن الحادي والعشرين؟ والأهم: هل نحن بدورنا ننظر إلى الآخر بالطريقة ذاتها لكن من الجهة المقابلة؟
لاحقًا، وبدعم من مركز دراسات الشرق الأوسط في الجامعة، بدأت بتنظيم لقاء ثقافي أسبوعي أطلقت عليه اسم "مجلس"، كفضاء مفتوح للحوار حول ما يُعرف اليوم اختصارًا بـ SWANA، أي جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا. كان يحضر اللقاء طلاب وأعضاء هيئة تدريس وعامة من أنحاء المدينة مهتمون بالتعرف إلى ثقافات المنطقة وتاريخها وتنوعها الديني والاجتماعي والسياسي. وفي تلك اللقاءات، اكتشفتُ أن كثيرين لا يعرفون شيئًا يُذكر عن هذه المنطقة، بل إن بعضهم كان يخلط بين العربي والأفغاني، ويتعامل مع المسلمين على اختلاف ثقافاتهم ولغاتهم وأعراقهم كأنهم كتلة واحدة متشابهة لا تمييز بين أفرادها.
هذه الصور لا تتشكّل عبر المعرفة المباشرة أو الاحتكاك الحقيقي، بل تُصنع يوميًا عبر السينما والإعلام والثقافة الشعبية، وجذورها أعمق مما يظن كثيرون. ففي عام 1921، وحين كانت السينما لا تزال صامتة، قدّم فيلم "الشيخ" (The Sheik) الشرقَ فضاءً بدائيًا خارج الحضارة، وبطلًا عربيًا لا يعدو كونه رجلًا شهوانيًا متوحشًا يختطف النساء الغربيات في صحراء بلا تاريخ ولا حضارة. وبعد ستة عقود، جاء فيلم "الصحراء" (Sahara, 1983) ليُعيد تقديم الشرق الأوسط بوصفه مجرد خلفية ملائمة للعنف والفوضى ومغامرات الأبطال الغربيين.
وحين أراد فيلم "علاء الدين" (Aladdin, 1992) أن يحكي قصة شرقية للأطفال، افتتحه بأغنية تصف الشرق بأنه أرض القوافل والجمال، حيث "يقطعون أذنيك إن لم يعجبهم وجهك"، ثم يضيف الراوي بابتسامة ساخرة: "إنها بربرية، لكنها في النهاية وطني." أن يُوصف وطن شعب كامل بأنه "بربري" في فيلم موجّه للأطفال ليس زلة لغوية عابرة، بل ترسيخ ممنهج لصورة نمطية في أكثر العقول قابليةً للتشكّل: عقول الأطفال. وقد اضطرت شركة ديزني لاحقًا إلى تعديل كلمات الأغنية، لكن أثر الصورة الأولى بقي أعمق من أي تعديل لاحق.
ثم جاء فيلم "القنّاص الأمريكي" (American Sniper, 2014) ليُتوّج هذا المسار، حين تحوّل العراقيون إلى خلفية بشرية صامتة يُقتلون بلا أثر ولا وجع، كأنهم ديكور للبطولة لا بشر لهم أسماء وتاريخ وأحلام.
هذه ليست مجرد أفلام للتسلية. فحين تتكرر الصورة ذاتها عقودًا متتالية، تتحول تدريجيًا إلى وعي جمعي راسخ، إلى "حقيقة" لا يشعر أحد بالحاجة إلى مراجعتها أو التشكيك فيها. وقد وثّق الباحث جاك شاهين هذه الظاهرة في كتابه “العرب السيّئون: كيف تسيء هوليوود للشعوب" (Reel Bad Arabs: How Hollywood Vilifies a People, 2001)، مُحصيًا مئات الأفلام التي أسهمت في ترسيخ صورة نمطية واحدة عن العربي في المخيال الغربي.
هذا تحديدًا ما ناقشه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد (Edward Said) في كتابه الشهير "الاستشراق" (Orientalism, 1978)، حين رفض النظر إلى “الشرق” بوصفه حقيقة طبيعية ثابتة، معتبرًا أنه صورة صاغتها الثقافة الغربية عبر التاريخ. ويكتب سعيد: "إن الشرق ليس حقيقة خاملة من حقائق الطبيعة... بل هو فكرة ذات تاريخ وتراث من الفكر والصور والمفردات التي أسبغت عليه حقيقةً وحضورًا في الغرب ومن أجل الغرب" (40). لم يكن سعيد يتحدث عن سوء فهم ثقافي عابر، بل عن منظومة كاملة تُنتج صورة مشوّهة ثم تُعيد تدويرها حتى تبدو طبيعية وبديهية. ولعل أخطر ما في هذه المنظومة أنها لم تكن يومًا مجرد جهل بريء، بل ارتبطت تاريخيًا بالاستعمار والسياسة وموازين القوة، حتى أصبح الاستشراق أداةً تُستخدم لتبرير الهيمنة وجعل السيطرة على "الشرق" تبدو أمرًا طبيعيًا، بل و"حضاريًا" أحيانًا.
لكن السؤال الذي نتحاشى طرحه في نقاشاتنا العربية هو: ماذا عنّا نحن؟ حين ننظر إلى الغرب، وتحديدًا إلى الولايات المتحدة، هل نرى صورته الحقيقية فعلًا؟ أم أننا نمارس ما يمكن تسميته "استشراقًا معكوسًا"، أي الآلية نفسها لكن في الاتجاه الآخر؟
الصور النمطية العربية عن الغرب تتأرجح بين الشيطنة المطلقة أو التمجيد الأعمى. فالأمريكي يظهر أحيانًا في المخيلة الشعبية إنسانًا ماديًا بلا عائلة أو قيم، وفي أحيان أخرى يُقدَّم بوصفه نموذجًا مثاليًا للثراء والحرية والتقدم، حتى ليبدو المجتمع الأمريكي كتلةً واحدة متجانسة من النجاح والرفاه. كلتا الصورتين زائفة، وكلتاهما تختزل مئات الملايين من البشر في كاريكاتير مسطّح لا علاقة له بالواقع المعاش.
مع ذلك، فثمة فارق جوهري لا يجوز تجاهله؛ فبرغم أن صورنا النمطية عن الغرب هي غالبًا نتاج تجارب محدودة وإعلام موجّه وشعور متراكم بالغبن التاريخي، لا مشروعًا مؤسسيًا منظمًا كما كان الاستشراق الغربي أداةً في يد الاستعمار، فإن هذا لا يُبرّر التنميط ولا يُخفف من أثره؛ فالأسير لصورة مزيفة لا يرى العالم على حقيقته، بصرف النظر عن أسباب أسره.
وربما لا تكمن خطورة الصور النمطية في أنها تكذب فحسب، بل في أنها تُغنينا عن المعرفة الحقيقية. فهي تمنحنا نسخة جاهزة عن الآخر، سهلة ومريحة، فلا نعود نرى الإنسان بل القالب الذي وضعناه فيه. والأخطر أن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي تُعيد إنتاج هذه الصور وتكرارها بوتيرة غير مسبوقة، حتى تبدو وكأنها حقائق جماعية راسخة لا تقبل الجدل ولا تحتمل المراجعة.
ما بين العربي الذي يظنه بعضهم راكبَ جملٍ يسكن خيمة، والأمريكي الذي يتخيله بعضنا فردوساً بشرياً بلا عيوب، تضيع الحقيقة الإنسانية الأهم وهي أن البشر أعقد بكثير من الصور التي نصنعها عنهم. والصورة النمطية، في جوهرها، ليست جهلاً بالآخر وحده، بل هي جهلٌ بالنفس أيضاً؛ لأن من يختزل الآخر في قالب جامد لا يرى العالم على حقيقته، بل يرى انعكاس مخاوفه وأحكامه المسبقة على مرآة لا تعكس سوى وجهه هو.
وربما كانت الخطوة الأولى نحو الفهم الحقيقي ليست معرفة الآخر، بقدر ما هي التشكيك في اليقين الذي نظن أننا نعرفه عنه، مع إدراك أن الصورة التي نرسمها عن الآخر لا تكشفه وحده، بل تكشف أيضًا طريقة تشكّل رؤيتنا له، ولو بدرجات وسياقات تاريخية مختلفة.
باحث في الأدب المقارن والدراسات الثقافية
حاصل على درجة الدكتوراة من جامعة أركنساس، الولايات المتحدة الأمريكية
إصابة ملكة جمال مصر بشلل إثر مضاعفات ورم دماغي
اختبار جيني قد يجنب مريضات بسرطان الثدي العلاج الكيميائي
إسرائيل تجمد علاقاتها مع الأمين العام للأمم المتحدة
بين الاستشراق والاستشراق المعكوس
الخروف البلدي يسجل رقماً قياسياً وسعراً نادراً .. تفاصيل
الجريمة الصامتة: أن نحول العلم التطبيقي إلى تدريب مهني
عقوبات أوروبية على مستوطنين بسبب انتهاكات ضد الفلسطينيين
اتفاق بين واشنطن وطهران بانتظار توقيع ترامب النهائي
7 أسباب مقنِعة لاستخدام المركبات الكهربائية
لرحلة مثالية: دليل ذهبي قبل السفر وأثناءه وبعده
بدء بيع أسطوانات الغاز البلاستيكية في عمّان وهذا سعرها
فيديو لوزارة البيئة يفجر غضب الاردنيين .. شاهد
إربد: طفل يتعرض لـ7 طعنات خلال احتفالات عيد الاستقلال
إغلاق 32 فندقا في إقليم البترا وتسريح أكثر من ألف موظف
تصريح الأميرة رحمة عن “أني أولادي من إربد” يشعل التفاعل ويحقق انتشاراً واسعاً .. شاهد الفيديو
وفاة نجم قناة كراميش تهز مواقع التواصل بالأردن
صيام يوم عرفة .. الحكم والفضائل وأفضل الأعمال المستحبة
موعد صلاة عيد الأضحى والمصلى الأقرب لك .. تفاصيل
تحذير للأردنيين من صور وفيديوهات تهدف إلى ابتزازهم
توقعات بتحسن حركة الشراء .. أسعار الذهب محلياً اليوم
الغذاء والدواء: حبوب مونجارو المتداولة غير مجازة في الأردن
القبض على 3 متورطين بالاعتداء على أب وأبنائه في إربد والأمن يلاحق آخرين
