"إسرائيل" وفلسطين:تفكيك نموذج "إرهاب الدولة" الاستعماري عند نورمان فينكلستين

"إسرائيل" وفلسطين:تفكيك نموذج "إرهاب الدولة" الاستعماري عند نورمان فينكلستين

14-06-2026 11:31 PM

مقدمة
يُمثّل المنجز المعرفي للباحث والأكاديمي الأمريكي نورمان فينكلستين (Norman G. Finkelstein) أحد أبرز المشاريع النقدية التي عملت على تفكيك البنية السياسية والأيديولوجية للصراع الصهيوني-الفلسطيني. ولا ينطلق فينكلستين في أطروحته من رصد الانتهاكات الميدانية المعزولة، بل يقدم نموذجاً تحليلياً بنيوياً يربط فيه بين العقيدة العسكرية الإسرائيلية، ومنطق الاستعمار الاستيطاني، والغطاء الإستراتيجي الدولي.
يرتكز هذا النموذج على فرضية مركزية مفادها: أن السياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة — من تهجير واستيطان وقصف جماعي وإبادة جماعية وحصار — لا تُعبّر عن عارض أمني مؤقت، بل تشكل هندسة نظامية تندرج ضمن مفهوم "إرهاب الدولة" (State Terrorism) المدعوم أمريكياً. ويجادل فينكلستين بأن "إسرائيل" نجحت في توظيف خطاب "الدفاع عن النفس" و"مكافحة الإرهاب" لشرعنة هذه الممارسات وقلب أدوار الضحية والجلاد. تهدف هذه المقالةإلى تفكيك البنية المفاهيمية لنموذج فينكلستين، وتتبع تطوره السوسيولوجي والتاريخي عبر مؤلفاته، وتوثيق الأسس الإحصائية والقانونية التي يستند إليها.

أولاً: الأسس النظرية: من "صناعة الهولوكوست" إلى نزع "حصانة الضحية":
لا يمكن استيعاب العمق المعرفي لنموذج فينكلستين حول "إرهاب الدولة" دون العودة إلى مدماكه النظري الأول التأسيسي في كتابه الأكثر إثارة للجدل، "صناعة الهولوكوست" (The Holocaust Industry)، الصادر عام 2000. في هذا العمل، يطرح فينكلستين أطروحة سوسيولوجية جريئة تفيد بأن "النخب اليهودية الأمريكية" عمدت إلى استغلال المأساة التاريخية للمحرقة النازية وأخرجتها من سياقها التاريخي لتحويلها إلى "صناعة" أيديولوجية مُسيسة تهدف إلى تحقيق مكاسب مادية ووظيفية، والأهم: توظيفها كـ "درع أيديولوجي" مطلق لحماية "إسرائيل" من أي نقد دولي.
يرى فينكلستين أن هذا التوظيف الأيديولوجي خلق ما يمكن تسميته بـ "رأس المال الرمزي للضحية" أو "حصانة الضحية" (Victim State). هذه الحصانة المعنوية تضفي على الدولة العبرية شرعية أخلاقية مسبقة، تجعل من أي تدقيق حقوقي أو جنائي في سلوكها العسكري ضرباً من "معاداة السامية". وبالتالي، فإن صناعة الهولوكوست هي التي وفّرت — وفق المنظور الفينكلستيني — الشروط الذاتية والموضوعية لإسرائيل لتمارس آليات "إرهاب الدولة" دون خشية من العقاب الدولي، لأن رصيد "المظلومية التاريخية" يُستخدم دورياً لسحق أي معارضة وإخراس لجان التحقيق الأممية.
ومن نقد البنية الأيديولوجية الفوقية، انتقل فينكلستين إلى تشريح التطبيقات المادية الإمبيريقية على الأرض. ففي كتابه "غزة: تحقيق في استشهادها" (Gaza: An Inquest Into Its Martyrdom, 2018)، لم يعد التحليل مقتصراً على تفكيك الخطاب، بل تحول إلى "محاكمة الخصم بأدلته"، عبر فحص آلاف الصفحات من تقارير المنظمات الحقوقية (الإسرائيلية مثل "بتسيلم"، والدولية مثل "العفو الدولية" و"هيومن رايتس ووتش"). هنا تبلور نموذج "إرهاب الدولة" من مجرد توصيف سياسي إلى إطار قانوني قائم على الأدلة والقرائن الجنائية.
ثانياً: آليات "إرهاب الدولة" الوظيفية في نموذج فينكلستين:
في تتبعه للممارسات الإسرائيلية، لا سيما في قطاع غزة، يرى فينكلستين أن "إرهاب الدولة" ليس سلوكاً عشوائياً، بل هو أداة وظيفية تخدم الغاية الكبرى للاستعمار الاستيطاني (Settler Colonialism)، وهي: محو السكان الأصليين للسيطرة على الحيز الجغرافي. ويتكامل هذا الإرهاب عبر ثلاث آليات بنيوية مترابطة:
1. الإبادة الجماعية (Genocide) المقوننة كمياً:
يتحاشى فينكلستين إطلاق الأحكام العاطفية، ويعمد عوضاً عن ذلك إلى المقارنات الإحصائية الصارمة لإثبات الطبيعة الإبادية للعقيدة العسكرية الإسرائيلية (مثل عقيدة الضاحية). عقيدة الضاحية (Dahiya Doctrine) هي مفهوم عسكري واستراتيجي إسرائيلي رسمي، تبلور بشكل علني عقب حرب لبنان الثانية عام 2006، وصاغه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق غادي آيزنكوت. Gadi Eisenkot
وتقوم هذه العقيدة على فرضية أساسية تنقلب فيها المفاهيم العسكرية الكلاسيكية: تطبيق قوة تدميرية هائلة وغير متكافئة ضد المربع اللوجستي والبيئة الحاضنة الاجتماعية للمقاومة، دون التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية المستهدفة.
ويمكن تفكيك هذه العقيدة وتفسير تمثيلها لنموذج فينكلستين عبر الركائز التالية:
• استهداف البيئة المدنية كأداة ردع: سُميت العقيدة باسم "الضاحية الجنوبية" لبيروت، حيث دُمّرت معاقل سكنية كاملة هناك. المنطق العملياتي هنا لا يبحث عن "مقاتلين" فقط، بل يعمد إلى تدمير البنية التحتية والمباني السكنية والمصالح الاقتصادية، بهدف الضغط على الحاضنة الشعبية وإيصالها إلى حافة العجز، لتقوم بدورها بالضغط على فصائل المقاومة.
• تجاوز مبدأ التناسب الدولي: في القانون الدولي الإنساني، يُشترط أن يكون حجم الرد العسكري متناسباً مع التهديد. عقيدة الضاحية تسقط هذا الشرط عمداً؛ إذ تنص صراحة على استخدام " القوة المفرطة" (Disproportionate Force) كخيار إستراتيجي أولي ومقصود لتحقيق صدمة وترويع يقصران أمد المعركة.
• نقل النموذج من لبنان إلى غزة: يرى فينكلستين في تحليلاته أن "إسرائيل" نقلت "عقيدة الضاحية" بحذافيرها وطبقتها كإستراتيجية ثابتة في كافة حروبها على قطاع غزة (في الأعوام 2008، 2012، 2014، وصولاً إلى التصعيد الشامل الأخير). فالتدمير الممنهج لأحياء كاملة (مثل الشجاعية في 2014، أو مسح مربعات سكنية بأكملها في الحروب اللاحقة) ليس خطأً تكتيكياً، بل هو تطبيق حرفي وممنهج لعقيدة الضاحية لتحويل الجغرافيا الحضرية إلى مكان غير قابل للحياة.
لذلك، يسوق فينكلستين هذه العقيدة كدليل إمبيريقي (مادي) قاطع على أن "إرهاب الدولة" لدى "إسرائيل" هو عقيدة عسكرية مكتوبة ومقررة صراحة في كليات الحرب لديها، وليست مجرد "تجاوزات ميدانية فردية".
وبالنظر إلى المجازر المستمرة، يوثق فينكلستين حجم الفتك البشري؛ إذ يظهر في تحليلاته المقارنة أن الحصيلة الكمية لضحايا القصف في الفترات الوجيزة تخترق كافة المعدلات الدولية الصادمة.
فعلى سبيل المثال، يظهر توثيقه التحليلي أن معدلات قتل الأطفال في فترات زمنية محددة تجاوزت نظيرتها في صراعات إقليمية ودولية ممتدة لسنوات. ويخلص فينكلستين إلى صياغة معادلة هيكلية تفسيرية تعبر عن هذه الديناميكية:

حيث تعكس هذه النسبة فئة خاصة بإسرائيل عند قياس الاستهداف الممنهج للفئات المحمية دولياً كالأطباء، والصحفيين، وموظفي الأمم المتحدة.
2. التطهير العرقي (Ethnic Cleansing) عبر "ترقيق السكان":
ترتبط الآلية الثانية بجعل الجغرافيا طاردة للبشر. يرى فينكلستين أن الإستراتيجية الصهيونية لطالما تمحورت حول فكرة "ترقيق سكان غزة" (Thin out the population) كخطوة مرحلية للتخلص من العبء الديموغرافي للفلسطينيين. ويشير إلى أن التطهير العرقي هنا لا يتم فقط عبر الطرد المباشر بقوة السلاح (كما حدث في نكبة 1948)، بل يتم عبر صناعة بيئة قسرية تدفع السكان نحو "التهجير الطوعي" أو القسري تحت وطأة النار، وهو ما تقاطع بنيوياً مع مشاريع تصفية القضية الفلسطينية التي طُرحت إقليمياً ودولياً.
3. تدمير مقومات الحياة (Making Gaza Uninhabitable):
هذه هي الآلية الهندسية الأخطر في نموذج فينكلستين. إن الحصار الشامل الممتد، وقطع خطوط الإمداد بالثروات الحيوية كالمياه والطاقة، والتدمير الممنهج للمستشفيات، والمؤسسات التعليمية، والخدمية، لا يهدف إلى تحقيق "هدف عسكري مباشر"، بل يرمي إلى هندسة جغرافيا غير قابلة للحياة البشرية.
ويستعير فينكلستين هنا مقولة مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر عندما أراد إسقاط حكومة سلفادور أليندي في تشيلي: "سنجعل الاقتصاد يصرخ". في غزة، تُطبق "إسرائيل" ذات المنطق: "جعل المجتمع يصرخ" عبر سحقه تحت وطأة الحرمان الفيزيائي، حتى يصبح البقاء داخل الجغرافيا ضرباً من المستحيل، ويغدو قبول التهجير هو المخرج الوحيد من الموت المحقق.
ثالثاً: الازدواجية المعيارية والدور البنيوي للدعم الأمريكي:
يكشف فينكلستين في ثنايا نموذجه عن ثنائية "سلاح الأقوياء وسلاح الضعفاء"؛ فالمصطلحات في العلاقات الدولية لا تُصنع بناءً على القيمة الأخلاقية للفعل، بل بناءً على ميزان القوة. يطرح فينكلستين فكرة مفادها أن استهداف المدنيين من قِبل فصائل المقاومة (الجهات غير الحكومية) يُدرج فوراً وبشكل مطلق تحت بند "الإرهاب المذموم"، في حين أن سحق مدن بأكملها وقتل عشرات الآلاف من المدنيين بواسطة آلة الحرب الإسرائيلية (إرهاب الدولة) يُشرعن دولياً باعتباره "حقاً سيادياً مشروعاً في الدفاع عن النفس". ويصيغ فينكلستين هذه الازدواجية بتهكم مرير مشيراً إلى أن الفرق البنيوي بين إرهاب الدولة وإرهاب الجماعات يكمن أساساً في فارق الحجم الكارثي والقدرة التدميرية الهائلة لصالح الطرف الأول.
وفي مؤلفه المشترك "سلاح الأقوياء: محادثات حول إرهاب الدولة الأمريكي" (Weapon of the Strong)، يخصص فينكلستين فصلاً مركزياً لتفكيك "العلاقة العضوية" بين واشنطن و"تل أبيب". فالولايات المتحدة في هذا النموذج ليست "وسيطاً" ولا مجرد "حليف خارجي"، بل هي شريك بنيوي في إدارة وتنفيذ إرهاب الدولة. ويتجلس هذا الدور عبر مسارين:
• المسار المادي: الإمداد اللوجستي المستمر وجسور التسليح المفتوحة بالذخائر النوعية والقنابل الثقيلة أثناء المعارك.
• المسار الدبلوماسي (الحصانة القانونية): الاستخدام الممنهج لحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي لإحباط أي قرار يفرض وقف إطلاق النار أو يطالب بالمحاسبة الجنائية، مما يعطل فاعلية القانون الدولي ويمنح "إسرائيل" الضوء الأخضر الدائم للاستمرار في عملياتها.
رابعاً: توقيت الإرهاب وإستراتيجية "الفراغ التغطوي":
يُقدّم فينكلستين مساهمة تحليلية هامة تتعلق بـ "جيوسياسية الإعلام" وتوقيت الهجمات العسكرية. يلاحظ فينكلستين أن "إسرائيل" تختار توقيت تصعيد عمليات "إرهاب الدولة" بالتزامن مع أحداث دولية كبرى قادرة على ابتلاع الاهتمام الإعلامي العالمي، مستغلة ما يسميه بـ "الفراغ التغطوي".
ويوثق تاريخياً كيف أن اجتياح قطاع غزة عام 2014 (عملية الجرف الصامد) تم تسعيره وتوسيع نطاقه في اليوم التالي مباشرة لإسقاط الطائرة الماليزية فوق أوكرانيا، وهي اللحظة التي تحولت فيها بوصلة الوعي العالمي والعدسات الإعلامية بالكامل نحو شرق أوروبا. ويطبق فينكلستين هذه القراءة الاستشرافية على التصعيد العسكري الأحدث في الأعوام 2023–2026، مبيناً أن النخب العسكرية الإسرائيلية استغلت الاستقطاب السياسي الحاد في الولايات المتحدة والانشغال الحصري للإعلام الغربي بالتغيرات السياسية الداخلية العاصفة لـ إدارة ترامب وفترته الرئاسية الثانية. هذا الانشغال الدولي خلق مناخاً مثالياً لتمرير ما سماه فينكلستين بـ "الباشناليا الإبادية" (Genocidal Bacchanalia) في غزة بعيداً عن الرقابة الشعبية الدولية الفاعلة.
خامساً: تقييم إبستمولوجي ومراجعة نقدية لأطروحة فينكلستين
1.الإسهام المعرفي وقلب المقاربات القانونية:
تكمن القوة المنهجية لنموذج نورمان فينكلستين في إحداث نقلة إبستمولوجية (معرفية) داخل حقل دراسات الاستعمار والنزاعات الدولية؛ إذ نجح في نقل النقاش حول القضية الفلسطينية من الفضاء التبريري المحكوم بـ "الاستثناء الأمني" و"مكافحة الإرهاب"، إلى الفضاء الجنائي المحكوم بالمعايير الصارمة للقانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
إن القيمة المضافة لطرح فينكلستين لا تقف عند حدود التوثيق، بل تتعداها إلى تفكيك "الهيمنة الخطابية" للأقوياء؛ فالنموذج يبرهن على أن المفاهيم القانونية الدولية ليست أدوات محايدة، بل هي ساحة صراع قوى. ومن خلال إعادة تعريفه لآليات الفعل العسكري الإسرائيلي بوصفها تنويعات وظيفية على فكرة "إرهاب الدولة" المقونن والممنهج، فإنه يجرّد الخطاب الصهيوني من ميزته التنافسية الأولى المتمثلة في "رأس المال الرمزي للمظلومية التاريخية"، محولاً إياها من حصانة أخلاقية مسبقة إلى موضوع للتشريح السوسيولوجي والسياسي.
2.المآخذ النقدية والسجالات الأكاديمية في الفضاء الغربي:
رغم الرصانة التوثيقية التي يتسم بها منجز فينكلستين — ولا سيما اعتماده الكثيف على تقارير المنظمات الحقوقية الأممية والدولية (مثل لجان التحقيق التابعة للأمم المتحدة، ومنظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش) — فإن أطروحته واجهت حزمة من الانتقادات الحادة داخل الأوساط الأكاديمية ومؤسسات الفكر (Think Tanks) في الغرب المنحازة للكيان الصهيوني، ويمكن حصر هذه التحديات في بعدين أساسيين:
• معضلة "اللغة المشحونة" ومحاكمة النوايا السياسية: يتهم بعض الباحثين الليبراليين واليمينيين أسلوب فينكلستين بالخروج عن سمت "الحياد الأكاديمي الصارم" والوقوع في فخ الأدلجة .(Ideologization) ويرون أن استخدامه لمصطلحات ذات حمولة عاطفية وتاريخية قاسية (مثل "صناعة الهولوكوست" أو "الباشناليا الإبادية") يزحزح النص من فضاء التحليل السوسيولوجي البارد إلى فضاء السجال السياسي النضالي (Polemic).
• تفكيك الشرعية الوجودية واختزال البنية: ترى مدارس سياسية غربية أن مساواة فينكلستين الكاملة بين الصهيونية والنماذج الاستعمارية الإحلالية الكلاسيكية (كالنموذج الجزائري أو الأفريقي الجنوبي) تفتقر إلى الحذر المنهجي؛ كونها تختزل التعقيدات التاريخية والخصوصية السوسيولوجية للمجتمع الاستيطاني الصهيوني، وتهدف بالأساس إلى نزع الشرعية القانونية والوجودية عن الدولة العبرية ككل، وليس مجرد نقد سياساتها الاحتلالية.
ويبدو واضحا أن النقد الغربي لفينكلستين هو نقد من موقع اللانقد، و من موقع الانحياز و ازدواجية المعايير الغربية المفضوحة و الواضحة لكيان الاحتلال الصهيوني.
3.كلفة الموقف الوجودي وراهنية النموذج التفسيرية )2023–2026(:
إن الصراع المعرفي الذي خاضه فينكلستين لم يكن بلا ثمن؛ إذ شكل قرار حرمانه من التثبيت الأكاديمي (Tenure) في جامعة دي بول (DePaul) عام 2007 نموذجاً صارخاً لآليات "الإقصاء المؤسسي" وشدة الضغوط التي تمارسها اللوبيات السياسية داخل الأكاديميا الغربية لفرض خطوط حمراء حول نقد الصهيونية. ومع ذلك، فإن إقصاءه من المنبر الأكاديمي الرسمي لم يقلل من الفاعلية التفسيرية لنموذجه، بل أخرجه إلى فضاء التأثير العام العالمي.
وتتجلى الراهنية الفائقة لنموذج فينكلستين في المنعطف التاريخي الممتد بين عامي 2023 و2026؛ فالمسارات الجنائية الدولية غير المسبوقة التي شهدتها هذه الفترة — وتحديداً الدعوى القضائية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد "إسرائيل" أمام محكمة العدل الدولية (ICJ)، ومذكرات الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية (ICC) — جاءت بمثابة مصادقة قانونية وتاريخية متأخرة على الأطر النظرية والإحصائية التي ظل فينكلستين يطرحها طوال عقدين.
خاتمة واستشراف معرفي:
إن تحول مصطلحات نورمان فينكلستين وأطروحاته من "هوامش منبوذة" ومحارَبة في الفضاء الأكاديمي والسياسي الغربي المأزوم، إلى "متون سيادية" تُبنى عليها المرافعات القانونية التاريخية أمام محكمة العدل الدولية وتُصاغ منها أدبيات التضامن الحقوقي والنقدي حول العالم، يحمل دلالة إبستمولوجية عميقة؛ فهو يؤكد أن نموذجه لتفكيك "إرهاب الدولة" الاستعماري لم يكن مجرد قراءة أيديولوجية عابرة أو رد فعل عاطفي على النوازل العسكرية، بل كان استشرافاً بنيوياً وتفكيكياً دقيقاً للمآلات الحتمية للمشروع الصهيوني.
يكشف هذا التحول المعرفي عن ثلاثة أبعاد إستراتيجية يؤول إليها المقال:
• أولاً: تفكيك الاستثناء الأخلاقي؛ إذ نجح النموذج في نزع الفاعلية السياسية عن "رأس المال الرمزي للضحية"، وتحويل سلوك الدولة العبرية من فضاء الحصانة الأيديولوجية المطلقة إلى فضاء المساءلة الجنائية الدولية الصارمة.
• ثانياً: أزمة البدائل الاستعمارية؛ فالتحليل يبرهن على أن العقيدة العسكرية الإسرائيلية — القائمة على "عقيدة الضاحية" وتدابير "ترقيق السكان" — قد وصلت إلى مأزقها البنيوي الأخير؛ حيث لم يعد بإمكان الاستعمار الاستيطاني الحفاظ على مركزه وتفوقه الديموغرافي والجغرافي إلا عبر الانتقال من "الضبط والاحتواء" إلى هندسة جغرافيا الموت الكامل، وتدمير مقومات الحياة البشرية (جعل غزة غير قابلة للحياة).
• ثالثاً: انزياح مركز الثقل الأخلاقي الدولي؛ فالشرعية الزائفة التي منحتها المنظومة الغربية (عبر الفيتو الأمريكي والازدواجية المعيارية) لإرهاب الدولة، باتت تتآكل أمام صعود وعي حقوقي عالمي عابر للحدود، يستمد أدواته التحليلية من أرقام وقرائن وإحصاءات المنهج الإمبيريقي النقدي الذي قاده فينكلستين وأقرانه.
وفي المحصلة، يظل المنجز المعرفي لنورمان فينكلستين وثيقة حية تفضح الكيفية التي يوظف بها الأقوياء مصطلحات "الإرهاب" و"الدفاع عن النفس" كأدوات للهيمنة، وتؤصل في المقابل لإطار قانوني وإنساني يُمكّن الضحايا من محاكمة الجلاد بأدلته، وإعادة الاعتبار للعدالة الدولية الإنسانية بوصفها أداة كفاحية، وليست مجرد صياغات قانونية معطلة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

مستشار المرشد الإيراني: ساعة الصفر حانت ومنصات الصواريخ جاهزة

والد حارس النشامى: يزيد أخبرنا بأن المنتخب سيقدم أفضل ما لديه

تأهل النشامى للمونديال يحرك الاقتصاد الأردني .. تفاصيل

عباس يعدل قانون الانتخابات العامة تمهيدا للاستحقاقات المقبلة

الأردن في أسبوع: بازل الدَّوار الرَّابع، شيفرة النَّشامى وترياق المنغصات

مستوطنون يحرقون ويحطمون 5 مركبات ويحاولون إحراق مسجد في رام الله

منتخب إيران يصل الولايات المتحدة استعدادا لمواجهة نيوزيلندا بكأس العالم

الولايات المتحدة الأمريكية بين الأمس واليوم

بيان شكر وتقدير من جمعية موآب الخيرية

حفيداتي من سان انطونيو إلى البتراء الوردية

"إسرائيل" وفلسطين:تفكيك نموذج "إرهاب الدولة" الاستعماري عند نورمان فينكلستين

الجامعةُ الأردنيّة تستحدثُ برنامج ماجستير في الحَوسبة الكموميّة

مسارح الوهم: حين تشرذمت الخلافة في رقعة الأندلس

الترخيص المهني للذكاء الاصطناعي في الطب: قراءة في أصول الفقه وقواعد السياسة الشرعية

دبلوماسية تفاوض مهشمة: .. ملالي طهران والعودة إلى المواجهة ِ

الفئات التي تشملها العطلة الرسمية في الأردن غداً

زيادة 30 ديناراً على رواتب موظفين ومتقاعدين مدنيين وعسكريين

انخفاض الذهب بالتسعيرة الثانية محلياً

الأمن يكشف تفاصيل جريمة مروعة في عمّان

قفزة هائلة بأسعار الذهب محلياً اليوم

إحالة 9 عمداء و16 عقيدا من ضباط الأمن العام إلى التقاعد .. أسماء

الفئات التي لا تشملها الزيادة الجديدة على الرواتب

قرارات جديدة تتعلق بالتكسي الأصفر والتطبيقات الذكية

700 دونم من القمح رمادًا في اربد والمزارعون يطالبون بإصدار شهادات المنشأ

العلوم الطبية في عمّان الأهلية تنشر بحثين علميين في مجلات عالمية مرموقة حول السمع وصحة الأذن

اعتراض وإسقاط 5 صواريخ أطلقت من إيران باتجاه الأزرق

العودات: المناسبات الوطنية تستحضر إرثاً قام عليه الأردن الحديث

ترتيبات جديدة لمواعيد العيادات الصباحية بالبشير .. التفاصيل

دوي صفارات الإنذار في العقبة تزامناً مع اعتراض مسيّرة فوق إيلات .. فيديو

الأمن العام يوضّح ملابسات فيديو مشاجرة شفا بدران