علم الجهل

علم الجهل

19-06-2026 12:55 AM

قديما .. بينما كنا جلوس نتسامر ولم تكد تخلو جلستنا من تشليخ وتدليس وغيبة ونميمة وإذ بإحدهم يقرع جرس الباب فإذا به طبيب نابغ ولبيب شأنا أم أبينا شهدنا له بالنباهة والنبوغ أم لم نشهد له كما شهدت له جامعته الشرقية وكرمته جامعته الغربية .. فكلنا يشهد يوم مولده والخربوش الذي نشأ به
فإذا به يطل علينا بعد سنوات من الغياب خارج الوطن نهل فيها من العلم ما نهل، فإذا به كما عهدناه من البساطة والتواضع واللباقة التي تلين العدو قبل الصديق فإذا به يسلم علينا فردا فردا ببساطته المعتادة والصادقة الواحد تلو الآخر بحرارة ويقف عند كل واحد منا مطولا كأن لا أحد بعده.
جلس الطبيب النابغ بيننا، فاستبشرنا خيراً وقلنا في أنفسنا: "جاءنا بئر العلم ليروي ظمأ جهلنا". لكن، وكما تقضي نواميس الغابة والكبرياء في ذلك العصر السحيق، لا يمكن لجلسة "تشليخ" أن تمر بسلام دون أن يرتدي أحدهم عباءة الفيلسوف الأفلاطوني، شريطة ألا يكون قد فتح كتاباً في حياته سوى كتاب الوصفات الطبية لمكافحة القمل.تنحنح جهبذ الجلسة وعرّابها—وهو جهبذٌ لم يغادر حدود الغابة قط، وأكبر إنجازاته العلمية كان التمييز بين بيض الديناصور الركس وبيض الديناصور النباتي—ثم نظر إلى الطبيب شَزراً، ووجّه إليه سؤالاً كونياً معقداً في صلب الاختصاص الطبي، سؤالاً لو سُئل عنه "أبقراط" لطلب مهلة للتفكير.صمتت الجلسة، واشرأبت الأعناق. تراجع الطبيب إلى الخلف برفق، وبدت على ملامحه علامات الجدية الصادقة، وشرع يشرح المسألة بتواضعه المعهود وبأدق التفاصيل العلمية التي غنمها من جامعات الغرب والشرق. استخدم مصطلحاتٍ تلين لها الصخور، وبسط المفهوم حتى ظننا أننا فهمنا.وما إن أنهى الطبيب جملته الأخيرة، حتى ابتسم "الجهبذ" ابتسامة ساخرة مليئة بالشفقة، وهز رأسه يميناً وشمالاً كأنه يرى طفلاً يتعثر في مشيته. التفت الجهبذ إلينا، ثم نظر إلى الطبيب وقال بنبرة الواثق المنتصر: "كلامك نظري يا دكتور.. وعلمك هذا لا يصمد أمام الواقع! أنا ابن السوق، وأقول لك إن علاج هذه المعضلة هو بفرك موضع الألم بأوراق شجرة 'الخروب البائدة' عند اكتمال القمر، مع شرب لتر من مستنقع الضفادع الشرقي!".ساد صمت رهيب في الغرفة. نظرنا إلى الطبيب الذي تجمدت لباقته لثوانٍ، وتداخلت في عقله نظريات الطب الحديث مع فلسفة أوراق الخروب. أما نحن، وبحكم "النباهة الجمعية" التي نتمتع بها، فقد هززنا رؤوسنا تأييداً لابن الغابة البار، فما قيمة شهادات الغرب والشرق أمام حكمة من شهد يوم مولد الطبيب وعاش في ذات الخربوش؟!وينتهي المشهد بطبيبنا النابغ وهو يدون ملاحظة على كف يده، متسائلاً إن كان قد أضاع سنوات عمره في الغربة عبثاً، بينما كان الحل يكمن في مستنقع الضفادع القريب.
هذه القصة تعبيرية لا تمس حكومة ولا مسؤول إنما جرت أحداثها في الغابة بُعيد عصر الديناصورات بعدة أجيال يوم لا كان جرائم إلكترونية ، ولا مكاسب تنفيعية .. ومن هنا أقتضى التنويه



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد