رحيل فؤاد حجازي .. حين يرحل صوت من زمن تشكّل الأردن الحديث

رحيل فؤاد حجازي ..  حين يرحل صوت من زمن تشكّل الأردن الحديث
فؤاد حجازي

22-08-2026 07:15 PM

ليس رحيل الفنان فؤاد حجازي خبرًا فنيًا عابرًا يضاف إلى أخبار الراحلين، ولا مناسبة لاستعادة قائمة من الأغنيات والأفلام ثم إغلاق الصفحة. ثمة أسماء، حين تغيب، تفتح وراءها نافذة على زمن كامل، وحجازي واحد من هؤلاء الذين ارتبطت مسيرتهم بمرحلة كان فيها الأردن نفسه يتغير، وتتشكل مؤسساته، وتتسع مدنه، وتبحث إذاعته وتلفزيونه عن صوت وصورة وهوية.

حين دخل الشاب فؤاد حجازي الإذاعة الأردنية في ستينيات القرن الماضي، لم تكن الإذاعة مجرد وسيلة ترفيه. كانت نافذة البلاد على نفسها وعلى محيطها، ومكانًا تلتقي فيه الأغنية الوطنية بالشعر والموسيقى والأخبار، وتخرج منه أصوات ستصبح لاحقًا جزءًا من الذاكرة الأردنية.

يروي حجازي أنه دخل الإذاعة عام 1965، وأن راتبه كان 18 دينارًا. قد يبدو الرقم اليوم تفصيلًا صغيرًا في سيرة طويلة، لكنه يحمل شيئًا من صورة ذلك الأردن: مؤسسات في بدايات نموها، وفنانون شبان يصنعون أسماءهم داخل غرف إذاعية محدودة الإمكانات، وموسيقيون مثل جميل العاص يلتقطون الأصوات الواعدة ويمنحونها فرصة لكي تجد طريقها إلى الناس.

ذلك الزمن لم تكن فيه الشهرة تصنعها شاشة هاتف، ولم تكن الأغنية تنتشر في ساعات عبر منصات عابرة للقارات. كان على المطرب أن يصل إلى الإذاعة أولًا، وأن يقف أمام لجنة، وأن يجد شاعرًا وملحنًا وفرقة موسيقية، ثم ينتظر أن تعبر أغنيته جهاز الراديو إلى البيوت والمقاهي والسيارات.

ومن هذه البيئة خرج فؤاد حجازي.

لم يكن أردني المولد، فقد ولد في بعلبك اللبنانية، لكنه أصبح عبر سنوات طويلة جزءًا من المشهد الفني الأردني، حتى يصعب الحديث عن مرحلة تأسيس الأغنية الأردنية من دون المرور باسمه إلى جانب أسماء كثيرة أسهمت في إعطاء البلاد صوتًا خاصًا بها.

غنى للأردن في مرحلة كانت فيها الأغنية الوطنية نفسها تؤدي وظيفة تتجاوز الترفيه. كانت الأغنية تعبيرًا عن الانتماء، وتوثيقًا للمكان، وجسرًا بين الدولة الناشئة وناسها. ومن هنا يمكن فهم أعمال مثل "على الميدان يا ابن الأردن" وغيرها من الأغنيات الوطنية التي قدمها حجازي، بعيدًا عن قياسها بمنطق الأغنية التجارية المعاصر.

ولعل من المفارقات أن حجازي نفسه ظل حتى سنواته المتأخرة شديد الحساسية تجاه هذا اللون من الغناء. كان يرى أن الأغنية الوطنية لا ينبغي أن تتحول إلى تجارة، وأن صدق الكلمة واللحن والأداء هو ما يمنحها قيمتها. هذا الكلام لا يبدو مجرد رأي موسيقي حين نستعيد تجربته كاملة؛ إنه يعبر عن جيل تعامل مع الأغنية بوصفها جزءًا من صورة البلد، لا منتجًا موسميًا ينتهي بانتهاء المناسبة.

من الراديو إلى الشاشة

مسيرة حجازي عبرت أيضًا التحولات التي شهدتها المنطقة والأردن في وسائل التعبير الفني.

بدأ زمنه مع الراديو، ثم درس الفن في سورية، ودخل السينما العربية وظهر في أفلام خلال السبعينيات، من بينها "رحلة عذاب" و"بنات للحب". بعد ذلك حضرت الشاشة والتلفزيون والبرامج الإذاعية، وصولًا إلى المهرجانات والفعاليات الثقافية التي بقي اسمه حاضرًا فيها حتى سنوات قريبة.

وكأن مسيرته كانت تتحرك بالتوازي مع تطور وسائل الإعلام نفسها: من صوت يصل وحده إلى المستمع، إلى الصورة، ثم التلفزيون، فالمهرجانات والمنصات الحديثة.

وهذه ليست قصة فؤاد حجازي وحده. إنها قصة جيل من الفنانين الذين عاصروا انتقال الأردن من بلد كانت الإذاعة فيه المؤسسة الإعلامية الأكثر حضورًا إلى دولة تضم شبكة واسعة من المؤسسات الثقافية والإعلامية والمسارح والمهرجانات والجامعات والقنوات.

في تلك العقود تغير شكل عمّان، واتسعت المدن، وتغير المجتمع، وظهرت أجيال جديدة من الفنانين والملحنين. تغيرت أيضًا ذائقة الجمهور وأدوات صناعة الأغنية، لكن بعض أصوات البدايات ظلت موجودة، ولو ابتعدت شيئًا فشيئًا عن الواجهة.

وكان حجازي يشعر بهذا الابتعاد.

في مقابلاته المتأخرة ظهر عتب واضح على غياب الفنانين الرواد عن الشاشات، وعلى أن التكريم يأتي أحيانًا متأخرًا. طالب برعاية الفنان القديم وتأمينه وتذكره وهو حي. وربما تبدو كلماته اليوم، بعد رحيله، أكثر قسوة من اللحظة التي قيلت فيها.

فنحن في العالم العربي نجيد كثيرًا الاحتفاء بالفنان بعد موته. نستعيد الصور والأغاني والمقابلات القديمة، ونطلق أوصافًا كبيرة، ثم تمضي الأيام. بينما كان حجازي نفسه يطالب بفكرة أبسط: أن يتذكر المجتمع رواده وهم ما يزالون بين الناس.

تاريخ البلد لا يوجد في الكتب وحدها

هناك خطأ شائع في النظر إلى تاريخ الدول باعتباره تاريخ حكومات وأحداث سياسية وحروب واتفاقيات فقط.

تاريخ الأردن موجود أيضًا في أغنية بثتها الإذاعة قبل ستين عامًا، وفي موسيقار جلس أمام شاب صغير وأخبره أن لديه صوتًا يستحق فرصة، وفي مسلسل صنعته مؤسسة التلفزيون، وفي برنامج إذاعي يذهب إلى المدارس بحثًا عن طفل موهوب.

وحجازي فعل شيئًا من ذلك أيضًا.

قدم برنامج "المبدعون الصغار"، وذهب إلى المدارس باحثًا عن المواهب. وهذه التفاصيل، رغم أنها أقل شهرة من أغانيه، تقول الكثير عن طبيعة المرحلة. كان الإعلام العام يرى لنفسه دورًا في اكتشاف المواهب وتثقيف الجمهور، وكان الفنان قادرًا على الانتقال من أغنية وطنية إلى برنامج للأطفال ومن المسرح إلى الإذاعة.

من هنا تصبح سيرة فؤاد حجازي أكثر من سيرة مطرب.

إنها جزء من ذاكرة مؤسسة الإذاعة الأردنية، ومن تاريخ الأغنية الشعبية والوطنية، ومن مرحلة كانت فيها الثقافة تبني لنفسها مكانًا داخل الدولة والمجتمع.

وليس المطلوب عند رحيله أن نقول إن الماضي كان أفضل من الحاضر. تلك مقارنة سهلة وغير عادلة. لكل زمن أدواته ومشكلاته وفرصه. لكن المطلوب ألا نفقد ذاكرة التحول، وألا نتصرف وكأن المشهد الفني الأردني بدأ مع الجيل الموجود حاليًا على الشاشات.

كل صوت جديد يقف، بطريقة أو بأخرى، فوق طبقات بناها من سبقه.

الرحيل الذي يعيدنا إلى البداية

السبت، رحل فؤاد حجازي في مدينة الحسين الطبية بعد حياة فنية طويلة.

سيختلف الناس في أكثر أغنياته حضورًا في الذاكرة، وقد يعرفه جيل كامل من تسجيل قديم بينما يعرفه آخر من فيلم، وثالث ربما لم يسمع باسمه إلا عند خبر وفاته.

لكن قيمة استعادة سيرته اليوم لا تكمن في الحنين وحده.

فالرجل الذي جاء شابًا إلى الإذاعة الأردنية في منتصف الستينيات شهد بعينيه تحولات بلد كامل، وغنى في مراحل مختلفة من تاريخه، وعاصر أجيالًا من الملحنين والمطربين، وانتقل بين لبنان والأردن وسورية والسينما العربية، قبل أن يعود اسمه في سنواته الأخيرة إلى ذلك المكان الذي بدأ منه: ذاكرة الناس.

وعندما يرحل واحد من أبناء ذلك الجيل، لا نفقد فنانًا فقط.

نفقد شاهدًا آخر على زمن كان الأردن فيه يرسم ملامح صوته، ويؤسس إذاعته وتلفزيونه ومشهده الثقافي، ويضع حجرًا فوق آخر في بناء الدولة الحديثة.

لهذا، فإن أفضل وفاء لفؤاد حجازي ولجيله ليس الإفراط في كلمات الرثاء.

بل أن نحفظ أعمالهم، نوثق شهاداتهم، نعيد تسجيل تاريخهم بدقة، ونضعهم في المكان الذي يستحقونه داخل الرواية الثقافية للأردن.

فالدول التي تحافظ على ذاكرتها لا تحفظ أسماء السياسيين وحدهم.

تحفظ أيضًا أصوات الذين غنوا لها وهي تكبر.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

سياحة الأعيان: ضرورة مواصلة تطوير موقع المغطس ومحيطه

أرض بملايين الدنانير وموظفون بلا دوام .. الحكومة أمام أسئلة حاسمة .. صور

أمطار صيفية نادرة تفاجئ الشمال .. وهذا ما ينتظر الأردن خلال الأيام المقبلة

77 مليار لتر سُرقت من مياه الأردن .. رقم يفوق سعة سد الملك طلال

قرار في جامعة حكومية يفتح ملف الصلاحيات القانونية

القبول الموحد يغلق قبل المكرمة .. موعدان مختلفان وخطوة لا يجوز تأجيلها

«خيّي وخيّك» .. اسم مطعم يفتح جدلًا لغوياً وإدارياً في الأردن

وفاة ممثل مصري شهير .. صورة

تعديلات تمس الاقتراع والدعاية والترشح .. ماذا سيتغير في الانتخابات بالأردن؟

حقيقة الذهب والكنوز بوادي السير .. الآثار الأردنية تحسم الجدل وتوجه رسالة للبحيشة

بعد سرقة 77 مليار لتر في الأردن .. فتوى تحسم الحكم الشرعي

النقل المدرسي المجاني يبدأ الأحد .. من يشمله فعلًا وكيف يعرف الأهالي أن أبناءهم ضمن الخدمة؟

تعيين 10 قضاة جدد .. أسماء

بعد تصريحاتها المستفزة تجاه الأردن .. زوجة مسلّم تتصدر المواقع مجدداً

توسعة مطار عمّان ترفع طاقته إلى مليوني مسافر سنوياً بحلول صيف 2027