وصفي التل .. وأيلول

وصفي التل ..  وأيلول

01-09-2026 06:15 PM

يبدأ أيلول من جديد...

قد يبدو للعالم شهراً عادياً كبقية أشهر السنة يأتي ويرحل دون أن يحمل أكثر من تغيير في التقويم. أما في الأردن فالأمر مختلف تماماً فأيلول ليس مجرد شهر بل ذاكرة وطنية ومحطة من محطات التاريخ الأردني التي تركت آثاراً عميقة في وجدان الأردنيين.

وفي كل عام يعود الجدل حول أيلول وتظهر أصوات تحاول إعادة رسم أحداثه وفق روايات انتقائية أو تحويله إلى مناسبة لإعادة إنتاج الخصومة بين الأردنيين والفلسطينيين وكأن التاريخ لا يُقرأ إلا من زاوية الانقسام.

لكن التاريخ أكثر تعقيداً من ذلك.

وفي قلب هذه الذاكرة يقف اسم رجل أصبح جزءاً من تاريخ الأردن الحديث وصفي التل.

وصفي التل رئيس الوزراء الأردني الراحل لم يكن عدواً لفلسطين ولم يكن خصماً للقضية الفلسطينية كما يحاول البعض تصويره اليوم. ومن الظلم التاريخي اختزال الرجل في أحداث أيلول ثم تقديمه على أنه كان في مواجهة مع فلسطين أو الفلسطينيين.

وصفي كان من الرجال الذين حملوا السلاح دفاعاً عن فلسطين وشارك في القتال على أرضها وكانت القدس بالنسبة إليه قضية عربية ووطنية وليست ورقة سياسية تُستخدم عند الحاجة.

كان يؤمن بأن فلسطين قضية الأمة لكنه كان يؤمن في الوقت ذاته بأن الأردن دولة لها سيادتها وقرارها وأمنها وأن الدفاع عن فلسطين لا يعني تحويل الأردن إلى ساحة مفتوحة للفوضى أو السماح لأي تنظيم مهما كان شعاره بأن يتجاوز سلطة الدولة.

وهنا كان جوهر الخلاف.
لم يكن خلاف وصفي مع شعب بأكمله ولم يكن خلافه مع الفلسطينيين بوصفهم شعباً وإنما كان خلافاً سياسياً وأمنياً مع تنظيمات مسلحة رأى أنها تجاوزت حدود العمل الفدائي وأصبحت تنازع الدولة سلطتها وسيادتها.

كان يرى أن الأردن يجب أن يبقى دولةً لا ساحة وأن السلاح يجب أن يكون في يد الدولة وأن القضية الفلسطينية لا تُخدم بإضعاف الأردن أو تحويله إلى وطن بديل.

وهذه النقطة تحديداً هي التي يحاول البعض طمسها عندما يتحدث عن وصفي التل.

فوصفي لم يكن ضد الفلسطينيين بل كان ضد أن يدفع الأردن ثمن صراعات الآخرين وضد أن يتحول الأردن إلى مشروع سياسي على حساب هويته ودولته وشعبه.

بل إن إيمانه بالقضية الفلسطينية كان أكبر من أن يسمح باستخدامها ذريعةً لهدم الدولة الأردنية.

لقد قاتل وصفي في فلسطين وحمل بندقيته في مواجهة الاحتلال في الوقت الذي كان فيه بعض المتصدرين للمشهد السياسي يعيشون بعيداً عن ميادين القتال.
كان وصفي يقاتل في القدس بينما كان آخرون يحتسون القهوة في بيروت

كيف يمكن لرجل قاتل دفاعاً عن فلسطين أن يُقدَّم اليوم على أنه عدو لفلسطين

إنها ليست قراءة للتاريخ بل إعادة إنتاج للتاريخ بما يخدم صراعات الحاضر.

وصفي التل لم يكن بحاجة إلى أن يثبت أردنيته كما لم يكن بحاجة إلى أن يتنكر لفلسطين حتى يكون أردنياً.

كان يرى الأردن وطناً له سيادته ويرى فلسطين قضية لا يجوز التخلي عنها.

وهذا تحديداً ما يجب أن نفهمه اليوم.

الأردني ليس مضطراً إلى كراهية الفلسطيني حتى يحب الأردن والفلسطيني ليس مضطراً إلى كراهية الأردن حتى يحب فلسطين.

الأردنيون والفلسطينيون عاشوا معاً وتشابكت بينهم الجغرافيا والتاريخ والدم والمصاهرة والمصير. ولذلك فإن تحويل أحداث أيلول إلى وقود دائم للكراهية ليس دفاعاً عن التاريخ بل إساءة إلى الحاضر والمستقبل.

أما وصفي التل فقد أصبح أكبر من أن يُختزل في رواية خصومة أو شعار سياسي.

كان رجل دولة وكان صاحب مشروع وكان يرى أن الأردن يجب أن يبقى قوياً، مستقلاً صاحب قرار وألا يكون ساحةً لتصفية الحسابات.
أراد وصفي للاردن دولة قوية وقراراً وطنياً مستقلاً.

وأراد جيشاً ومؤسسات تحمي الدولة.

وأراد أن تبقى فلسطين حاضرة في الوجدان العربي دون أن تتحول قضيتها إلى ذريعة لهدم الدول أو تمزيق المجتمعات.

لقد رحل وصفي التل لكن الأسئلة التي حملها مشروعه ما زالت حاضرة.

رحل الرجل، وبقي الأردن.

وبقيت فلسطين.

وبقيت القدس التي كان يدافع عنها

لذلك، عندما يأتي أيلول لا نحتاج إلى إشعال الكراهية ولا إلى البحث عن عدو جديد ولا إلى تحويل الأردني والفلسطيني إلى خصمين أبديين.

نحتاج فقط إلى أن نقرأ التاريخ كما حدث لا كما نريد له أن يكون.

رحم الله وصفي التل ورحم شهداء الأردن وفلسطين وحمى الله الأردن وفلسطين من الفتنة
أيلول ذاكرة والتاريخ أمانة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد