اسكتوا قليلا

اسكتوا قليلا

23-10-2026 07:46 AM

تدور الآن في أذربيجان حرب سياسية اجتماعية تستخدم أجساد النساء ساحة لها على عادة كل الحروب الدائرة في المجتمعات الإنسانية، التي كلها تستخدم المرأة وجسدها وحريتها وخياراتها كأسلحة تتقاتل أطرافها بها. وأذربيجان دولة عابرة للقارات، تقع على حدود أوروبا الشرقية وآسيا الغربية. استقلت أذربيجان في 1991 بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، ومنذ ذلك الوقت وهي تشترك، أو ربما تحاول أن تشترك، مع المؤسسات الأوروبية بشكل أوسع. نظام الحكم في أذربيجان رئاسي، حيث يتم انتخاب الرئيس لمدة سبع سنوات دون حد أقصى لعدد الولايات الرئاسية، ولربما هذه التفصيلة هي ناقوس الخطر الذي يدق مذكراً بمشكلة الشكل الديموقرطي والمضمون الشمولي، والذي ينعكس أولاً ودائماً على النساء.
في هذه السنة الحالية، وخلافاً مع الدستور الأذربيجاني الذي يضمن حرية المعتقد، صدر قرار من مجلس الوزراء بمنع كل المظاهر المخالفة «لعلمانية التعليم» بحسب التعبير المتداول، وهو القرار الذي سيضرب، أول ما يضرب، الحجاب الذي هو أوضح وأبرز مظهر ديني نسائي. وكما حدث في فرنسا مسبقاً، تبدو هذه القرارات، وهي كذلك واقعياً، مستهدِفة للمرأة المسلمة وحجابها تحديداً لحقيقة كونه المظهر الديني الأبرز والأقوى أيديويولجياً ولما يحمله من دلالات اجتماعية وانطباعات سياسية. الموضوع برمته غاية في التعقيد في الواقع، رغم البساطة الظاهرية لحلوله، التي تتجلى في الحرية: ملبس المرأة حرية لها، هي تختار، وهي التي تحسم الصراع. ولكن هل هذه الحرية حقيقية بل وممكنة حتى تحت أفضل الظروف وفي أكثر المجتمعات ديمقراطية وليبرالية؟
أولى تجليات المشكلة تكمن في البرمجة البشرية التي لا فرار لأي أحد منا. تكبر النساء في المجتمعات الإنسانية بالحمل الأكبر من البرمجة الأيديولوجية، حيث تُزرع كل العادات الاجتماعية والقيم الأخلاقية بل والتوجهات السياسية في عقولهن منذ الصغر ليتعاملن هن بأنفسهن مع أجسادهن على أنها ساحات صراع سياسي، أيديولوجي بل وعسكري في الكثير من الأحيان. تكبر كل واحدة منا لتعتبر أن ملبسها هو واجهة العائلة، من خلاله هي تحكي حكاية نبل هذه العائلة وشرفها، تقص قصة تديّنها أو تحررها، تحدد طبقتها الاقتصادية، بل وترسم انتماءها الطائفي والسياسي.
وحين تحاول أن تحدد موقفاً في هذا الصراع، ستجد نفسك في المنطقة الخطأ أينما نحيت نفسك وفكرتك. أتذكر أن دار جدل كبير في الكويت منذ سنوات على موضوع النقاب وما إذا كان ملبساً يجب منعه في الأماكن العامة. وحين حاولت أن أشكل رأياً، وجدت حين مطالبتي بحرية اختيار المرأة لنقابها أن بعض السيدات المنقبات استشعرن في هذا الرأي مساندة للجانب القمعي، وتخلياً من صنواتهن عنهن في نضالهن للتحرر من هذا الملبس الذي فُرض عليهن. وحين ألمحت إلى أن الوجه هو الهوية ولربما في المجتمعات غير المعتادة له، مثل المجتمعات الأوروبية، سيكون من الأفضل سن قوانين لمنعه، ظهرت أخريات أشرن إلى أن هذا تبسيط وسذاجة في التعامل مع الموضوع، وأن محاولة منع النقاب ستقود إلى المزيد من القمع من حيث منع الكثير من الأسر لنسائهن من الخروج أو العمل أو التعليم دون لبسه، هذا بخلاف أنه قرار قد يخالف توجه المرأة بحد ذاتها ويشكل سجناً إرادياً لها من حيث رفضها الشخصي للظهور دونه.
وحين يدور الحوار عن الحجاب، متى ما دار وكلما دار وفي أي مكان في العالم، تتبدى وجهتا النظر: هو بديهياً خيار للمرأة ولا يفترض بأحد أن يتدخل في تقريره، إلا أن تحريره كقرار سيعطي الكثير من القوى التسلطية للأسر في إجبار فتياتها عليه، وهي منطقة رمادية مؤلمة أخرى يصعب التفكير فيها والحكم عليها. أعيش هذه التجربة بشكل مباشر من خلال إحدى قريباتي العزيزات التي تنحو إلى تحجيب صغيراتها عند وصولهن إلى سن التاسعة التزاماً بالمبدأ الديني الشيعي. هذه السيدة هي أم رائعة ومحبة جداً لصغيراتها، وهي، دون أدنى شك، مؤمنة تماماً أنها تعمل لصالح فتياتها حماية وتربية على مبادئ وأخلاق من الأفضل لهن تعلمها وتشربها منذ الصغر. لا يوجد خيار عند هؤلاء الصغيرات، هن ملزمات بهذا الملبس بحكم أمهن المحبة والمؤمنة بأنها تتجه في اتجاه مصلحة وحماية صغيراتها الدنيوية والأخروية، تماماً كما أن صغيرتيّ لم يكن لهما خيار حين ألزمتُهما بقرارات جاءت ولا شك ضد خياراتهما الشخصية وقتها. هذا هو دور الآباء والأمهات؛ حماية الصغار وأحياناً إلزامهم بما فيه مصلحتهم رغماً عن إرادتهم، فهل هؤلاء أهال قمعيون؟
المطالبة بحرية الاختيار ليست مطالبة سهلة ولا مباشرة ولا بسيطة المعنى، فنحن لا نحرر صغارنا في خياراتهم لإيماننا بأن سنهم الصغيرة تستوجب التدخل والحماية والكثيرمن الإجبار في شتى مناحي الحياة. أليست التربية هي البرمجة بعينها؟ ألا تسرق هذه البرمجة التربوية الأغلبية العظمى من حرية الاختيار حتى من عقل الإنسان وقلبه وإرادته حين تصوغه في الصغر بشكل عسر على التغيير أو المراجعة في الكبر؟ وهؤلاء الآباء والأمهات الذين يقنعون أو يفرضون الحجاب على صغيراتهم، هل يرمون لأذيتهن؟ هل يبرمجون الصغيرات للضرر بهن في حين أن الأسر «الأكثر ليبرالية» ترمي لإسعاد صغيراتها؟ وهذه التي تختار أن تتغطى، هل ترمي لأن تعلن فكرة سياسية أو تثير جدلاً أو تغتال هي بنفسها جزءاً من حريتها؟ هل يكفي وسط كل هذا التعقيد الإنساني أن نطالب، ببساطة ومباشرة، بحرية أن تختار هي وحدها، كحل؟
يبقى أن القرار الأذربيجاني قمعي بلا شك؛ فمحاولة تحجيم ملبس ديني أو محاولة فرضه وتثبيته، لو كانت هذه أهدافاً مقبولة أصلاً لمؤسسة سياسية مثل الدولة، لا يمكن تفعيلها سوى من خلال إعادة التأهيل الفكري والمجتمعي، التي تستهلك وقتاً وجهداً وصبراً. واقعياً، لا يمكن لمؤسسة سياسية أن تحكم خيارات الناس الدينية، أو توجهاتهم التربوية مع أبنائهم، أو طريقة عيشهم المجتمعية. وعليه، فإن حرمان الصغيرات الأذربيجانيات من التعليم لا يبدو تحررياً أو محايداً دينياً بأي صورة من الصور، لا يبدو سوى قمعي، إسلاموفوبي، متعدٍ على حقوق إنسانية أصيلة. اتركوا النساء لأنفسهن لحظة، هن في صراع مع النفس أصلاً، فأمهلوهن لحظة ليتفكرن بصفاء وراحة، فقط لحظة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد