حتى استقالة ماكرون لن تنقذ فرنسا
23-10-2026 07:51 AM
كانت الحشود التي تجمعت في المدن والبلدات الفرنسية يوم السبت الماضي تحتج على مظالم مختلفة، لكن ما يوحدها أصبح شيئاً من الصعب تجاهله عند العديد من الفرنسيين: ارتفاع تكلفة المعيشة.
على أنه في حلول نهاية اليوم الطويل، تحولت مشاهد النهب، والمباني المحترقة، والسيارات المحطمة والاشتباكات مع الشرطة، التي تابعها العالم عبر الشاشات إلى اختبار لنموذج الحكم الفرنسي برمته، والذي يطلق عليه اصطلاحاً الجمهورية الخامسة.
لقد فاجأ حجم الاحتجاجات السلطات. أجهزة الاستخبارات الفرنسية كانت توقعت مشاركة 150 ألف -200 ألف متظاهر. وفي وقت لاحق، قدرت الحكومة الأعداد الفعلية بـ 550 ألفا على الأقل، فيما قال اتحاد النقابات أنهم تجاوزا بالفعل ألف800.
هذه الفجوة الكبيرة في الأرقام تحكي جانباً مهماً من قصة فرنسا، فالسلطات الغارقة في شلل سياسي مشهود منذ بعض الوقت تواجه حركة احتجاجية لم تتوقعها، فكأنها لا تدرك حجم الاستياء من ارتفاع تكاليف المعيشة الذي مس أكثرية الفرنسيين من الطبقات الوسطى والعاملة والمهمشين.
حديث الفرنسيين اليومي عن ارتفاع تكلفة المعيشة يعكس شعوراً أوسع من مجرد ارتفاع الأسعار في متاجر التجزئة أو محطات البنزين، فالأجور تفشل تدريجياً في مواكبة النفقات الأساسية، فيما النخب منعزلة في أبراجها العاجية، والساسة في السلطة لا يقدمون أي إجابات مقنعة.
عواقب هذا الاستياء ستمتد إلى ما هو أبعد من الشارع، ومع تعثر الحكومة في تمرير الميزانية العامة، واقتراب الانتخابات الرئاسية المقبلة (نيسان /أبريل المقبل)، وانعدام قدرة الرئيس وفريقه على اتخاذ قرارات حاسمة بحكم تشظي البرلمان، يتأسس مناخ استقطاب حاد بين أقصى طرفي المعادلة السياسية يميناً ويساراً، ويتوسع هامش الفرصة لحزب التجمع الوطني وحلفائه في أقصى اليمين للوصول للمرة الأولى إلى السلطة في تاريخ الجمهورية الخامسة على وعود بمزيد من الرقابة الأمنية، وضوابط أكثر صرامة على الهجرة، وكسر لنموذج السياسة (الماكرونية) القائمة.
دولة الرفاه في الإنعاش
تمتلك فرنسا نظام رعاية واسعا يتوفر على خدمات عامة، ومزايا اجتماعية، وحد أدنى للأجور، وهذه طوال عقود وفرت حماية مهمة واستقراراً للفئات الأقل حظاً في المجتمع، لكن مع استمرار سياسات التقشف، والتعديلات على قانون التقاعد، وتحويل المليارات لأوكرانيا، وارتفاع أسعار المحروقات بسبب الحرب على إيران، أصبحت هذه الضمانات الاجتماعية غير كافية للتعامل مع تآكل الدخول واهتزاز الأمن المالي، خاصة بين الشباب والعمال ذوي الأجور المنخفضة والعائلات التي تعاني من تكاليف السكن والنقل والطاقة.
تذكر هذه الاحتجاجات أيضاً بحراك «السترات الصفراء»، الذي بدأ في 2018 بعد أن أدى الغضب من ضريبة الوقود إلى خروج السائقين والمجتمعات الريفية إلى الشوارع، وما بدا حينها كاستياء من أسعار الوقود تحول لاحقاً إلى تحد أوسع لعدم المساواة الاقتصادية وتركز السلطة السياسية في نخبة باريس.
الانتفاضة الحالية تستعيد تلك المظالم وتبني عليها لتتوسع قاعدتها بين مجموعات سياسية وفئات مجتمعية ذات توجهات مختلفة. ومثل هذه التحركات يصعب على الحكومات إدارتها، لأنها لا تملك قيادة موحدة أو منظمة مركزية أو فريق تفاوض قادرا على التحدث باسم الجميع، لا سيّما وأن وسائل التواصل الاجتماعي تمكن من الحشد بأعداد أكبر وفي مواقع متعددة متزامنة ما يجعل التعامل معها مسألة متطلبة للغاية.
فشل سياسي وفشل أمني أيضاً
أقر وزير الداخلية لوران نونيز بالإخفاقات في التهيؤ للاحتجاجات، وقدم استقالته، لكن الرئيس إيمانويل ماكرون رفض قبولها، بحجة أن استمرارية قيادة قوات الأمن ضرورية في هذه المرحلة. كما اشتكت نقابات الشرطة من نقص الأفراد في إطار التوجه العام للحكومة لتقليص النفقات العامة.
لكن المؤكد أن مرد الفشل الأمني يتجاوز مسألة أعداد منسوبي الشرطة، فقد قللت فروع أجهزة الاستخبارات الإقليمية الفرنسية المكلفة بمراقبة التوترات المحلية والحركات الاجتماعية الناشئة، بشكل كبير من تقديراتها لنسب المشاركة المحتملة في الاحتجاجات وبالتالي لم تجهز قوات كافية للتعامل معها. ويطلق هذا الفشل تساؤلات حول ما إذا كانت النخبة الحاكمة تدرك بالفعل مدى انتشار السخط بين الفرنسيين العاديين خارج النقابات العمالية التقليدية والمنظمات السياسية.
وقد أثارت استجابة الأجهزة الأمنية لاضطرابات الشارع نقاشاً ثانياً، هذه المرة حول كيفية تعاملها مع المحتجين. وأظهرت مقاطع فيديو تناقلتها الشاشات عبر العالم أن السلطات اعتمدت بشكل متزايد على أساليب عدوانية، بما في ذلك محاصرة المسيرات، واستخدام القنابل الدخانية للسيطرة على الحشود، وقاذفات الكرات المطاطية التي قد لا تتسبب في الوفاة، لكنها قد تسبب إصابات خطيرة.
وهناك تقارير عن إصابات خطيرة لتلاميذ مدارس بما في ذلك فقدان يد وعين، وأصيب سائح بريطاني في تولوز ما يشير إلى فقدان التمييز بين المحتجين السلميين واللصوص الذين قاموا بأعمال النهب. فكما لا يمكن تبرير الهجمات على المتاجر والمباني العامة بالصعوبات الاقتصادية. فإنه لا يجوز للسلطة أيضاً اعتبار التجمعات الجماهيري تهديداً أمنياً يواجه بالعنف.
ومن المؤكد أنه عندما تكون الأجهزة الأمنية غير مستعدة وتلجأ إلى القوة، فإن المحتجين السلميين سيرون رجال الشرطة كخصوم، والنتيجة قد تكون دورة متكررة من المواجهات تجعل استعادة النظام العام أصعب مع استمرار عجز السلطة عن تقديم حلول جذرية لمشاكل مستعصية.
ماذا بعد الأسوأ؟
أتت هذه الاضطرابات في وقت حساس للغاية لحكومة الرئيس ماكرون. فبغير الاستقطاب السياسي وتشظي التمثيل في البرلمان، تتفاقم الخلافات حول الإنفاق العام، وتضغط الأسواق بشأن الديون السيادية للبلاد، لترتفع تكلفة الاقتراض الحكومي إلى أعلى مستوياتها منذ ربع قرن، مع تراجع ملحوظ في مؤشرات سوق الأسهم في باريس.
لم تخلق الاحتجاجات مشاكل ديون فرنسا، أو تردي خدماتها العامة، أو الانقسامات السياسة فيها، لكن انعدام كل أفق لاستعادة الاستقرار السياسي قد يجعل من المرجح استمرارها. فالمستثمرون يريدون معرفة ما إذا كانت الحكومة ستتمكن من الاتفاق على ميزانية موثوقة، والاتحاد الأوروبي قلق من تأثيرات اهتزاز ثاني أكبر اقتصاد في المجموعة، بينما تخشى العائلات الفرنسية أنها ستستمر في تحمل تكلفة التكيف الاقتصادي بشكل غير متناسب.
وهذا كله يترك ماكرون وحكومته مع فضاء محدود للمناورة في خضم جدلية لا تنتهي: فمزيد من الإنفاق على دعم العائلات وتحسين الخدمات العامة قد يزيل بعض المظالم، لكنه سيضيف ضغوطاً على المالية العامة المتعبة أصلاً، فيما قد يساعد خفض الإنفاق على طمأنة المستثمرين، لكنه يخاطر بتعميق الاستياء الذي جلب الناس إلى الشوارع.
وحتى لو قرر الرئيس الفرنسي تقديم استقالته، والدعوة لانتخابات مبكرة، فإن تغيير (الرأس) لن يكون كافياً لإصلاح خلل تراكم عبر العقود وعمقت منه الأزمات العالمية في أوكرانيا وإيران.
والخطر بعد الأسوأ هو أن هذه الأزمة المتجذرة جزئياً في الإحباط الاقتصادي يعاد صياغتها بشكل أساسي كمسألة هوية وإنفاذ القانون، بعدما اختلطت العواقب السياسية للاضطرابات بالجدل الساخن بالفعل في فرنسا حول الهجرة.
وفي هكذا سيناريو، فإن برامج شعبوية أكثر تشدداً بشأن تشريعات الهجرة، والإقامة، واكتساب الجنسية قد تكتسب مزيداً من الزخم السياسي، ناهيك عن تأجيج الحرب الثقافية ضد المهاجرين والفرنسيين من أصول مهاجرة ما يجعل الأقليات أكثر عرضة للتعميمات السياسية السلبية حتى عندما لا تكون لديهم صلة بالمظاهرات أو الجرائم التي ارتكبت خلالها.
إن السؤال المركزي المطروح على الفرنسيين اليوم لم يعد ببساطة كيف ستستعيد الجمهورية النظام العام بعد ما حدث السبت الماضي، بل ما إذا كانت المنظومة السياسية قادرة على معالجة المظالم التي جعلت الكثيرين يشعرون أنهم مضطرون للخروج إلى الشوارع في المقام الأول. وهذا أمر لا شك سنرى إجابته عبر الشاشات خلال الأسابيع المقبلة، وهي حتماً – ما لم تحدث معجزة – أن فرنسا أمة في أزمة.
الحرارة أعلى من معدلاتها اليوم وفرصة لهطول الأمطار بمناطق محدودة
ولائم العزاء وأثرها النفسي والمالي على المجتمع
التعامل مع حريق في مصنع بمدينة الحسن الصناعية
ترامب يدرس توجيه ضربات جديدة لإيران تمتد لأيام
إسرائيل بعد الانتخابات: تغيير الوجه أم استمرار المعادلة؟
حتى استقالة ماكرون لن تنقذ فرنسا
إيران .. مجتبى ونصيحة كوليريدج
الحرب الإيرانية المستمرة على العرب!
قرارات جديدة صادرة عن الضمان الاجتماعي .. تفاصيل
17 ألف تنكة زيت فارغة تثير الشبهات في إربد .. ما القصة؟
خدمة جديدة من الضمان الاجتماعي للمشتركين والمتقاعدين .. تفاصيل
تحديد موعد العطلة الشتوية للمدارس
قطار كهربائي من عمان إلى المطار .. موعد التشغيل المتوقع وعدد الركاب
زيادة 30 دينارا لرواتب الموظفين والمتقاعدين .. تفاصيل موازنة 2027.
تغيير مواعيد الطابور والحصص المدرسية اعتبارا من الأحد المقبل
ترفيع وإحالات إلى التقاعد في الحكومة .. أسماء
الأمن العام يفتح باب التجنيد للذكور والإناث في الأردن .. تفاصيل
النجداوي يكشف معلومات مهمة عن شحنة زيت بني كنانة المضبوطة
خبر هز الوسط الفني .. وفاة نجم أردني كبير .. صورة
قضية زيت بني كنانة .. متى يصبح الخبر والتعليق مخالفة قانونية؟
متى يحل أول منخفض جوي ماطر في الأردن؟
عنوان رقمي مرتبط بهويتك .. تعديل جديد على التبليغات القضائية في الأردن
تقاعدات وترفيعات وإنهاء خدمات في التربية .. التفاصيل والأسماء