عاجل

كليلة ودمنة بالعربي – الحلقة الثانية


الكاتب : د. عمر جعوان
توقفنا في الحلقة الماضية عند اجتماع الحيوانات المختلفة في الغابة بدعوة من كبير الثعالب مطالبا بانتخابات حرة ونزيهة لانتخاب زعيم للغابة بعد ان تثقفت الحيوانات سياسيا على يد ذئب فاهم للديمقراطية في عالم تحكمه الاسود ، وكان الثعلب قد حشد للاجتماع الكثير من الاعوان كما انه رشى وسرب وهرب الى موقع الاجتماع ثعالب الغابة المجاورة ْ فيزيد عدد المصوتين له طمعا في الفوز .
 
وجرت الانتخابات وفاز الفار من الجولة الاولى , فالفئران اكثر بكثير من الثعالب في الغابة ، ومن تلك اللحظة بدأ كبير الثعالب في البحث عن مبررات افشال الانتخابات ظنا منه انه اولى بالحكم من الفئران .
 
ولم ينتبه الثعلب المنكسر ولا الفار الفائز ديمقراطيا الى وجود اسدين في جموع الحيوانات ، وكانا يتحدثان بهمس ملفت للنظر، مما دفع الثعلب للاقتراب منهما من خلف الشجرة ويسترق السمع , وسمع منهما ما اثلج صدره وافرحه ، قال الاسد الاصغر لزميله بهدوء الواثق وتواضع القوي ما رايك فيما حصل ؟ فاجابه الاسد الثاني بلغة الاسود ، نفخ صدره وزأر فتطايرت الفئران يمنة ويسرة وقفزت كل الثعالب الى خلف الاشجار وانتهى الاجتماع وفشلت الانتخابات الديمقراطية وانصرف الاسدان لحالهما.
 
وعندما سار الاسدان الى وكرهما قال الاسد الذي زأر ما هذا الهراء ؟ واضح انهم لا يعرفون معنى القيادة والزعامة ، وكانهم يقلدون بعض افكار بعض البشر الخائبين.
 
اريد ان افهم ما هي هذه الديمقراطية التي يترأس القوة فيها فأرا ؟ او يستشار فيها ثعلب ؟ هل هكذا تكون الحياة عند البشر ؟ اجاب الاسد العارف ببواطن الامور كلا ليست هذه ، ان الذي يجري عندهم فعلا هو ان الزعامة والسيادة شيء شكلى واما الحقيقة فهي ان السيادة للقوي الذي يفرض سلطته وسيطرته حتى على الحاكم المنتخب وما يقوم به ذلك المنتخب ليس الا تنفيذا لتوجيهات واوامر الاقوياء الحكام فعلا ، فيطالبونة بان يقوم بعملية رياء معقدة يستطيع من خلالها  ان يقنع الاخرين بانهم اهل عدل بينما هم في الحقيقة يمارسوا الطغيان باسم العدل والتسلط باسم المساواة بين الناس ، وانهم لا يفعلوا ذلك في بلادهم فقط بل ويفعلوها اكثر في بلاد غيرهم , وهذا والحمد لله ليس ديدن اهل الغابة فالامور عندنا لا بد وان تبقى واضحة كما عهدناها طوال حياتنا ومنذ بداية تاريخنا..
 
اعطيك امثلة ، فلقد عرفت قبيلة من ذوي السطوة ان كثير من الناس في الدنيا يحتاجون للحطب في ايام البرد ، وعرفوا ان لدى احدى القبائل البعيدة مخزون كبير من الحطب ولكنهم لا يعرفوا كيف يتصرفوا به هذا بالاضافة الى انه ليس في بلادهم برد ، فقاموا باستمالة شيخ تلك القبيلة من خلال اختراع قصة يفهم منها ذلك الشيخ ان مركزه مستهدف من داخل وخارج القبيلة ، وانهم مستعدون لحمايته مقابل ان ياخذوا كميات الحطب التي لديه ويعطوه فوق الحماية بعضا من عائدات بيع الحطب.
 
ولما كان ذلك الشيخ قليل معرفة قصير نظر وافق ، واعطاهم الحطب ، الا انهم من بطشهم وتسلطهم لم يقدموا له كل الحماية التي وعدوه بها فقاموا بتجميع بعض المرتزقة من بلاد الله الواسعة وكونوا منهم ما يشبه القبيلة ووضعوهم في ارض مسروقة بقرب ذلك الشيخ لتخيفه تلك القبيلة صباح مساء ، فيقوم هو بالاستنجاد بهم دائما لحمايته من العدو الذي صنعوه له ، والغريب انه عرف بل تاكد ان قبيلة المرتزقة التي تخيفه دائما هي من صنعهم الا ان الوهم الذي يعتريه دائما ان احدا سينزع سلطانه يجعله دائم الاعتماد على وجودهم معه وحوله ، ومع الزمن اصبح هو الذي يعرض عليهم الحطب مقابل ان يقبلوا بحمايته ، هذه صورة من حياة البشر التي نرجو الله ان لا يبلونا بها .
اما في الغابة فان امر تفرق الحيوانات خوفا من زئير الاسد لم يكم هو النهاية , فاطماع الثعلب في الزعامة لم تفتر , خصوصا بعد ان اختفت الاسود من المشهد .
 
الا ان الثعلب الذي سمع حوار الاسود وفهم درسه بالضبط وعرف ما عليه فعله ليفوز بالزعامة وبرضى الاسود جمع اقرانه واتباعه وقال لهم ان هذه فرصتنا لاقتناص الزعامة في الغابة ، فاذا استطعنا جمع كل الحيوانات خلفنا سنستطيع اقامة حكمنا والسيطرة على كل مصادر الغذاء وينابيع الماء في الغابة ، وما علينا الا ان نصمد لفترة قصيرة ثم نتحالف مع الاسود من خلال ان نعترف لهم بالسيادة الفعلية على الغابة على ان يعترفوا لنا بالسيادة الشكلية المعلنه , وسنقدم لهم كل ما ومن يريدون من حيوانات لياكلوا ويشبعوا وحينها سيقبلوا ان يتركوا الباقي لنا فهم اولا واخيرا حيوانات مثلنا.
وافق اعوانه وشجعوه فقام بحركة ذكية لا تخطر على بال الا الثعالب ، لبس فروة اسد ميت حصل عليه من ثعلب جاء من سايبيريا يزوره بحكم القرابة وكان يلبس طوال الوقت ذلك الجلد تخفيا عن عيون المفترسات في الطريق ، الا ان الثعلب اعجبه زي الاسد وفكرة الاختباء داخله فتآمر على صاحبه فقتله ، وهذا دأبه وديدنه لا يعتبر لقرابة ولا لصحبة ولا لشيء عند حاجته , واخذ منه الجلد واصبح يتخفى به بين الارانب والدجاج والضفادع مازحا احيانا وللصيد احيانا اخرى.،
 
لبس جلد الاسد وعاد بعد ان تفرق الجمع ليجلس على ربوة المتحدثين ونادى بصوت فيه تقليد ممجوج لصوت الاسود ، قال للحيوانات التي ارتعدت من زئير الاسود وفرت هاربة ارجعوا فقد رايت ان انقذكم من هذا الوضع المرعب , فكما ترون انا من قبيلة الاسود ولكني لست كهؤلاء ، فانا ارى فيكم العزوة والنور الذي اسير على هديه ، واني مستعد لان اتسود عليكم بموافقتكم ودعمكم ، وسنقف جميعا امام اي احد يفكر بعد الان في سرقة الطعام وخشب التدفئة من الغابة ، وباجتماعكم وسيركم خلفي سنهزم اي جبار حتى لو كان اسدا مثلي !قالها الماكر مبتسما عن خبث لم تلاحظه الفئران ولا الارانب ولا حتى الحمير الوحشية ، فهتفوا كلهم بصوت واحد  عاش الاسد حامينا وزعيمنا ، وطالبوه بان يترك زمرة الاسود لياتي الى مرابضهم يسوسهم ويقودهم ويهيء لهم كل المطلوب في الغابة للحياة الافضل .
 
وهكذا اصبح الثعلب المزور الجبان سيدا في غابة بها اسود !!
 
يتبع .. في حلقة قادمة