عاجل

مدارس بناء الجودة في الصناعة


الكاتب : د. عمر جعوان

لعله من المناسب اولا ان نتفق على ان كل ما يحتاج اليه المواطن من سلع او اموال او خدمات او معلومات له بعدان .. بعد كمي وبعد نوعي ... اما البعد الكمي فيشمل الابعاد الملموسة لاحتياجاته مثل الحجم والوزن والثمن والعدد ووسيلة الحمل والنقل الى اخره .
واما البعد النوعي فهو ما لهذه الحاجة من تأثير على مجريات حياته ، ومستوى ما تناسب  تلك الاشياء من احتياجاته ، فالسيارة توصله لعمله في الوقت المناسب ، والدواء يخفف من الامه بحد ادنى من التاثيرات الجانبية والمأكولات تشبعه ولا تحمل في طياتها اي نوع من السموم التي تؤذيه.


ولما كان من البديهي ان قطاعات الصناعة والزراعة والتعليم والصحة والحماية هي القطاعات الاشمل مسؤولية والاكثر قدرة في توفير احتياجات الناس اليومية من الناحية الكمية ، فانها مسؤولة ايضا عن توفير البعد النوعي لمنتجاتها خدمة لمستخدمي تلك المنتجات . وسنستعيض عن مفهوم البعد النوعي بمصطلح الجودة فيما يلي من حديث. ولما كان الحديث عن كل تلك القطاعات غير ممكن في دراسة واحدة ، فانني سآخذ قطاع الصناعة مثالا للتعرف على مناهج ومدارس بناء وقياس الجودة في نشاطاته التي تنعكس اخيرا على جودة منتجاته.


الصناعة نظام ، يتكون من موارد واعمال تنتج منتجات ، وبلغة الصناعة فان النظام يتكون من مدخلات ونشاطات تصنع مخرجات ، والباحث عن المخرجات الجيدة المناسبة للاستخدام لا بد وان يجدها في جودة المدخلات التي يستخدمها الصانع في صناعته وجودة الاجراءات التي يقوم بها كل العاملين في كل الدوائر على كل المستويات لتصنيع المنتجات وايصالها لمستخدميها.


وعلم الجودة هو اكثر العلوم مسؤولية في انجاز الصناعة  لاعمالها ، مع انه اقل العلوم صيتا وسمعة بين المهتمين ، ولعل اشهر المقولات في الصناعة هي تلك التي تقول : كل النشاطات في الشركات هي في خدمة التسويق ( البعد الاقتصادي للاعمال وهو بعد كمي ) وكل النشاطات في المصانع هي في خدمة الانتاج (البعد العددي للاعمال وهو بعد كمي ايضا ) ، اما البعد النوعي – الجودة – فقد لاحظت الجهات المشرعة في الدول والسلطات ذات العلاقة تارخيا ومنذ الثورة الصناعية بان الصناع يمرون عليه مرور الكرام ولا يولونه نفس الحجم من الاهتمام كما يولون البعد الكمي فطلبت منهم رسميا كل في مجاله ان يتبنى خطة تؤكد من خلالها جودة المنتجات المطروحة في السوق للاستخدام .


بدأ الصناع خصوصا صناع الادوية بوضع اجراءات رقابية لمنتجاتهم ، وانشأوا لذلك دوائر مختصة اسموها دوائر الرقابة ، ودور الدوائر الرقابية هذه هو ان تفحص المنتجات على اساس من مواصفات موضوعة اصلا ،  وتقرر بناء على نتائج فحصها ان تلك المنتجات مناسبة او غير مناسبة للاستعمال.


ومع اتساع رقعة الصناعة وتعدد وكبر حجم منتجاتها وكثرة اعدادها لم تعد مختبرات الفحص والتحليل في الصناعة قادرة على ضبط كل الامور ، فهي تقوم بفحص عينات من المنتجات ولا تقوم بفحص كل المنتجات وهذا يعني ان ساحب العينة هو المؤثر الاكبر في النتائج وان معلوماته وخبرته والاجراءات التي يتبعها في سحب العينة هي الفيصل في الموضوع ، اذ ربما يسحب عينة جيدة من كم غير جيد فيكون حكم التحليل بناء عليه ان ذلك الكم كله جيد ، او ربما يسحب عينة سيئة من كم كله جيد فيكون الحكم في النهاية على ان الكم كله سئ وتكون النتيجة ان ياخذ الصانع في كلا الحالتين قرار مخالف للحقيقة.


ومع ظهور العديد من المشاكل في مستحضرات الادوية في الاسواق ، تطور مفهوم الجودة لدى المشرعين ولدى الصناع وتطورت المتطلبات ، واصبحت نقاط الاهتمام تتركز على منع الاخطاء قبل ظهورها بدلا من التعامل معها عند ظهورها مع الابقاء على مفهوم الضبط في النهاية لتاكيد النتائج الجيدة لا للحكم عليها واصبحت المسميات المستخدمة في العمل هي تاكيد الجودة وليس ضبط الجودة ويمارسها فريق مختلف عن فريق ضبط الجودة ، واصبح التعامل مع مدخلات العمل واجراءاته والتركيز على جودتها بداية هي السائدة والتي ستؤدي بالضرورة الى لصناعة المنتجات الجيدة  ( تطبيقا لمبدأ منع حدوث الحرائق قبل حدوثها اولى من اطفاءها بعد اشتعالها مع الابقاء على مفهوم الاطفاء المناسب ان حدثت ) .


ثم توالت التطورات في مفاهيم الجودة لتشمل متطلبات من الادارات العامة  والعاملين , واصبح لزاما على المؤسسات بناء وتطبيق مفاهيم الجودة عند الجميع ابتداء من مشتريات المواد مرورا باعداد المصانع وتدريب العاملين ، واصبحت الاجراءات في المصانع محكومة ايضا بمتطلبات يقترحها المشرعون ويلتزم بها الصناع للوصول الى الهدف المشترك في انتاج سلع جيدة لخدمة المستخدمين المستهدفين.


وبناء على ما سبق ظهرت مدارس متعددة في موضوع فهم وتطبيق مفاهيم الجودة في الصناعة ، وخصوصا في صناعة الدواء ، ولا شك بان العديد من المؤسسات والصناعات الدوائية قد واكبت تطور المفهوم والتزمت بتطوير تطبيقه على ارض الواقع ، الا ان بعض المؤسسات سارت في درب التطوير بخطى بطيئة وبعضها لا زالت تسير في ركب الجودة القديم الذي يعتمد على الرقابة في النهاية وليس على تاكيد جودة المدخلات حتى لو انها تبنت مفاهيم تاكيد الجودة شكلا.


 ويستطيع المراقب من الخارج او المدقق المشرع ان يتعرف على مستوى معرفة وتطبيق مفاهيم الجودة في المنشآت الصناعية من خلال اطلاعه على ما يدور من اجراءات في المصانع وعلى ما يصل اليه من معلومات ووثائق في دواليب الصناعة ، واحيانا فان المظهر العام لاي منشأة كاف لان يعطي الفكرة الشاملة عن ما يدور داخلها.


وفي النهاية فان المسؤولية في موضوع جودة الدواء التي تقع على صناع الدواء بالدرجة الاولى فانها ايضا تقع على المشرعين والاطباء والصيادلة تماما مثلما تقع على صناع الدواء وبنفس المستوى تقريبا ، وهذا ما يستدعي ان تكون صناعة الدواء بشكل خاص والصناعة بشكل عام ملتقى مستمر وعلى اعلى المستويات لكل من له علاقة وبشكل تتحكم به الدولة او من ينوب عنها .