عاجل

رسالة لوزير التربية والتعليم ‏


الكاتب : د. عمر جعوان

 معالي وزير التربية والتعليم حفظه الله

 

اسعد الله اوقاتكم ‏
 
عادت حفيدتي من المدرسة – وهي مدرسة خاصة ذات سمعة جيدة – وحفيدتي في ‏التوجيهي الادبي – سالتها عن الدراسة ونحن لا زلنا في مطلع العام فاجابتني بانها ‏تنوي الذهاب الى معهد لتعليم اللغة العربية ، وعندما سالتها لماذا هذه الرغبة وهي في ‏مدرسة تستوفي من الرسوم ما يعادل كل رسوم المعاهد الخاصة ؟ اخبرتني ببراءة بان ‏معلمة اللغة العربية في المدرسة لا تدرك الفرق بين لا الناهية ولا النافية ، فبناء عليه ‏قررت حفيدتي ان تعرف الفرق بين لا الناهية ولا النافية بشكل صحيح وهذا ما ستجده ‏في معهد خاص لدراسة اللغة العربية.‏
 
اكتب اليك الان معالي الوزير بعد هذا الحوار البسيط بيني وانا اصبحت من جيل ‏متقاعد وبين حفيدتي التي تمثل الجيل الصاعد الذي سيستكمل بناء الوطن ، وبعد ان ‏تذكرت قصة حدثت معي منذ اكثر من خمس وثلاثين سنة عندما عدت من اوروبا ‏احمل شهادة الكتوراة في الكيمياء ، وعملت حينها في الصناعة ، وتعرفت على ‏مشاكلها من الداخل ووجدت ان من اهم تلك المشاكل عدم معرفة الادارات العليا في ‏الصناعة باللغة العربية , وبالتالي فليس لديهم القدرة على انشاء مفاهيم محلية بمحتوى ‏عالمي للصناعة وايصال المعلومات بالشكل المناسب للعاملين عليها ، مما يحرم اولئك ‏العمال من التعرف على اسرار الصناعة واساليب العمل الصحيحة فيها فينتقل ذلك ‏الحرمان الى حرمان مستخدمي المنتجات من النواتج المناسبة من المصانع العربية.‏
 
قررت بناء عليه ان انتسب لاحدى الجامعات الاردنية وادرس اللغة العربية على ‏اصولها لاساهم في تعريب المفاهيم الصناعية وتيسيرها على العاملين لتحقيق النتائج ‏المرجوة ... ذهبت للجامعة وقالوا لي يومها ان تحقيق رغبتك تلك عند عميد القبول ‏والتسجيل بالجامعة .. قابلته وكان دمثا وقورا عندما قدمت له نفسي باني الدكتور ‏فلان الدارس الكيمياء في جامعة كذا ... وشرحت له الموضوع بايجاز كما انا اكتبه ‏الان ، فاظهر الاهتمام والسرور من الفكرة لكنه عاد في جلسته للخلف .. قلت له دعنا ‏نبدأ ... قال توكلنا على الله قدم لنا الوثائق المناسبة لتسجيلك .. قلت من اين نبدأ؟ قال ‏اعطني اولا شهادة التوجيهي الخاصة بك .. قلت له اما هذه فقد ضاعت عام 1965 ‏ميلادية عندما دخلت الجامعة بالاعتماد عليها ، وان شئت فانا مستعد ان اقدم لك بديلا ‏لها شهادة الدكتوراه التي هي من جامعة عريقة في بريطانيا... رفض الاستاذ الدكتور ‏عميد القبول والتسجيل واصر ان احضر له شهادة التوجيهي .. وتم بذلك وأد الفكرة ‏في مهدها ، فلا المفاهيم التي تعاملت معها تعربت ولا الصناع في المصانع التي ‏عملت بها في حينها وبعدها فهموا بالضبط كيف يصنعون الاشياء الجيدة الا بالقدر ‏الذي اجتهدته انا ومن وافق معي في حينه على الفكرة فمارسنا التعريب بصعوبة ‏بالمستوى ما تعلمناه من لغة على مستوى الشهادات التي فقدناها لاسباب تاريخية ربما ‏كان من اهمها اننا حصلنا على التوجيهي قبل النكسة ، فضاعت شهاداتنا كما ضاعت ‏بلادنا ، وبالرغم من ذلك الضياع الذي كان من اسبابه الاهتمام باشكال الاشياء لا ‏ببواطنها اما عدونا فقد كان مهتما ببواطن الامور لا باشكالها ونحن لا زلنا لا نطبق ‏مفاهيم ومكنونات القوانين بل نهتم بحرفية واشكال النصوص اي كان وقتها وتاريخ ‏وضعها .‏
 
معالي الوزير
 
علمنا الواقع الذي نعيشه الان ان الحفاظ على لغتنا كان اساس الحفاظ على ديننا وعلى ‏وطننا ، وهي بحاجة الى ان نضعها ونجعلها في رأس ما يجب ان يتعلمه اولادنا وان ‏تحظي باعلى الاهتمامات في برامج ومسؤوليات معاليكم في كل الوطن من الشام ‏لبغداد ومن نجد الى يمن الى مصر فتطوان.‏
 
يحتاج التعليم في بلادنا سيدي الى اعادة هيكلة وهذه تختلف عن التعديلات التي ‏تفرضها الظروف ، وانت تعلم سيدي بانه بالقدر الذي تحتاجه الامة الى اطباء مهرة ‏في المستشفيات فانها تحتاج الى ائمة مهرة في المساجد ، فليت هناك قرار في توزيع ‏الناجحين في التوجيهي على التخصصات في الجامعات ان يدخل كلية الشريعة من ‏يرغب في ذلك على ان يكون مستواه في امتحانات الثانوية العامة مثل مستوى الذي ‏يدخل كلية الطب او الهندسة ، ‏
صدقني يا معال الوزير ان تاثير خطباء المساجد في تحسين وتطوير واقعنا لا يقل ابدا ‏عن تاثير المهندس الماهر والنطاسي البارع ، وانا متاكد انك ترى ما اراه تماما، ‏والفرق ان بيدك قرار للتغيير.‏
 
والله يحفظك ويرعاك
‏                                                      التوقيع
‏                                                       مواطن يرغب في تحسين الحال