ليبيا وإعادة تكرار الماضي - د. جبريل العبيدي

ليبيا وإعادة تكرار الماضي - د. جبريل العبيدي

 ليبيا هي إحدى ضحايا الفوضى في عباءة «الثورات»، رغم الخلاف القائم على توصيف أحداث فبراير (شباط) 2011 هل هي ثورة أم حرب أهلية أم غزو دولي مغلف بالأمم المتحدة لنهب ثروات البلاد؟ حيث إن الثورة في عمومها هي الخروج عن الوضع القائم وتغييره، دون أدنى ضمانة لحدوث الأفضل، فقد تنتهي بالأسوأ كما حدث في ليبيا، وعادة تقوم بها فئة أو جماعة ما، هدفها الظاهر هو التغيير، ولكن وفقاً لآيديولوجيتها ثم فرضها ولو بالسلاح وممارسة القمع، مما يجعلها لا تختلف عن سابقها سوى في المسمى وحالة التغيير، وهذا ما حاول فعله تنظيم الإخوان في ليبيا بعد أحداث فبراير، حيث ظهر متزعماً الحراك متنفذاً فيه على جميع شركاء الحراك من الجماعات والتنظيمات الأخرى، سواء الليبرالية أو حتى الإسلام السياسي الآخر، رغم كون تنظيم الإخوان حليفاً لنظام القذافي منذ عام 2007 حيث رفض اتفاق المعارضة الليبية بإسقاط النظام، ووافق أن يكون ضمن مشروع القذافي الابن، ولكن سرعان ما انقلب وشارك في إسقاط الدولة وليس فقط النظام، وكان تحالفه مع النظام مجرد تقية سياسية.

 

مفهوم الثورة في الأصل هو الفوضى من أجل التغيير الكامل والجذري، غير مضمونة النتائج ولا العواقب من حيث التحول من حالة الظلم والفساد والجهل وديكتاتورية الفرد إلى حالة «ثورية» يزعم أنصارها أنها ستحقق «الحرية والرخاء والاستقرار والنماء»، رغم أن المنطق يقول إن الفوضى لا تولد النظام والاستقرار، وبعد هذه «الثورات» في بلاد العرب والتي كان عرابها الصهيوني برنارد ليفي ومرور عام يتلوه آخر من دون أن يتحقق كثير من «أهداف الثورات» التي لا يعلم حتى من قام بها أهدافها الحقيقية غير المعلنة باستثناء إسقاط النظام، يبقى السؤال: هل فعلاً تخلصنا من الفقر والظلم والفساد والديكتاتورية؟ ونحن نشهد حكومات تذهب وحكومات تأتي، ومليارات تصرف ولا أحد يتحدث عن أوجه الصرف والحساب، إنما نشهد يومياً زحف الشعوب من حين لآخر، في اعتصامات ومظاهرات يومية، تطالب بأساسيات الحياة الكريمة، بعد أن حلمت بالنعيم والفردوس والعدل.
 
حالة الفوضى المسماة «ثورات» التبست بزيف شعارات الحرية والديمقراطية، التي تشدق بكلماتها زعماء من ورق، صنع أغلبهم خارج الوطن، ومكنتهم استخبارات خارجية من النفوذ، بمساندة جوقة من الغوغاء من نشر الدمار والفساد بصورة أعتى مما كانت عليه في عهد ديكتاتوريات مستقرة.
 
اليوم بعد سنوات عجاف من الفوضى والفساد وإهدار المال العام وضياع عشرات المليارات دون رصف حتى ما دون الزقاق أو بناء فصل في مدرسة، دون تحقق أدنى أهداف «الثورة» التي وعد بها عرابو «الثورة» من العيش الرغيد وثورة المرتبات إلى ضيق العيش والعجز عن شراء رغيف الخبز، أصبح مفهوم «الثورة» الواقعي وليس الطوباوي عند المواطن وحتى بعض النخب قريناً بالفوضى والفشل والفساد في كل مكان، فوضى تتفاقم يوماً بعد يوم، تصحبها موجة من الاعتداءات على العاملين في مؤسسات الدولة الخدمية، من صحة وتعليم، ليس إلا جزءاً مما تعانيه ليبيا، من إهمال لا يزال قائماً، بسبب وجود بعض الإدارات الفاشلة، وبعض المسؤولين، الذين يجهلون أبسط الطرق وأنجعها للنهوض بصحة المواطن.
 
الفشل في أداء بعض الوزارات، لكونها لا تزال تعمل بثقافة موروثة من الماضي، التي كانت تعول على ثقافة التمكين للولاءات، فكانت المناصب لأعوان النظام ورجال الخيمة زمن القذافي، واليوم يتكرر السيناريو، فمنهج النظام السابق يستنسخ ويتكرر، إذ أننا نرى المحاباة واستحواذ أقارب المسؤولين ورجالات الحزب والجماعة والتنظيم على مراكز القرار وسلطة النفوذ، واستمرار الفوضى لجلب المال لصالح جيوب «أوصياء الثورة» لتبقى ليبيا وشعبها في عداد الجائعين حول فلك «الثورة» بالنكهة الأسوأ.