عاجل

جلسة مصارحة صاخبة بين الحكومة ومنظمات المجتمع المدني


الكاتب : أسعد العزوني
جرت بفندق القدس جلسة تشاورية بين المنسق الحكومي لحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني المعنية ،للتشاور حول تقرير حقوق الإنسان الذي قدمته الحكومة للأمم المتحدة ،وتقرر مناقشته يوم الثالث والعشرين من هذا الشهر في جنيف ،وشهد اللقاء صخبا تمكن المنسق الحكومي لحقوق الإنسان في رئاسة الوزراء السيد باسل الطراونة من ضبط الأمور بدون خسائر تذكر ،وإستحق لقب "الإطفائي" الذي أنجز مهمته ،رغم الحجج القوية التي تسلح بها الطرف الآخر ،وأقواها أن الحكومة قدمت تقريرها سلفا ،لذلك ما فائدة التشاور معنا؟
 
وللمعلومات فإن لجنة تتكون من 18 خبيرا دوليا ستناقش تقرير الحكومة الأردنية حول أوضاع حقوق الإنسان في الأردن ،وهؤلاء لا يمثلون  جهات بعينها بل هم أناس مستقلون ويعملون بصفتهم الشخصية ،يعني أنهم بعيدون عن الأهواء والضغوط ،وغير معنيين بما يمكن ان يشفع للحكومة الأردنية تقصيرها هنا أوهناك،والأخطر من ذلك انهم وعلى مدى ست ساعات سيناقشون إنجاز الدولة الأردنية وليس إنجاز الحكومة ،وهناك فرق .
 
ليس مهما كتابة التقارير وتدبيجها ببنود المواثيق والدستور الأردني بهدف الحصول على درجات متقدمة من المجتمع الدولي  ، لكن الأهم هو تطبيق ما تتضمنه التقارير على أرض الواقع، لتحصل الدولة على درجات متقدمة من الشعب الذي ينظر للأردن كوطن  وليس من المجتمع الدولي الذي ينظر إلينا كدور إنتهت مدته .
 
القضاء على أشكال التمييز العنصري يعني القضاء على المرض المجتمعي الأخطر، الذي يعيق التقدم والتنمية ويخلخل الولاء والإنتماء ،ويضع البلاد والعباد في مهب الريح ،كما هو الحال بالنسبة للقضاء على الأمية ،لخلق مجتمع متعلم منتج ،والقضاء على الأمراض المزمنة والمعدية لخلق مجتمع صحي معافى  يتمتع بالقوة البدنية والنفسية.
 
وفي حال تمكنا من خلق  مجتمع متعلم حاصل على حقوقه معافى في أبدانه ونفسيته ،فإننا سنضمن مجتمعا سعيدا مبدعا  ،وسنضمن السعادة للجميع  وديمومة سليمة للدولة ،فالسعادة ليست بالثروة فقط ، بل بالحصول على الحقوق وبالمساواة  وبالمواطنة الحقة .
 
القضاء على التمييز العنصري يعني خلق مجتع آمن مستقر  منتج ،ونذكر بحادثة رسول كسرى عندما زار المدينة ووجد الخليفة عمر بن الخطاب نائما ظهرا تحت شجرة في صحن المسجد ،فقال له بعد إستيعاب الصدمة وهو الذي جاء من قصور كسرى:"عدلت فأمنت فنمت".
 
أهم نتيجة نحققها من القضاء على التمييز العنصري هي خلق مجتمع محصن يصعب على الاخر المتربص النفاذ إليه من خلال بعض ضعاف النفوس الحاقدين الذين يشعرون بالغبن والتهميش ،وعندما نخلق مجتمعا محصنا  ونوفر له حقوقه  نصل إلى مرحلة الإستقرار والهدوء ،وتتحول الأجهزة الأمنية من المراقبة والإستنفار الدائم إلى الإسهام في التنمية ،والبناء والإنتاج  وتتحول غرف التحقيق إلى مختبرات لتطوير الإنتاج وإنجاز دراسات تسهم في نهضة المجتمع والأمة.
 
ما اتحدث عنه لا يأتي بكبسة زر ،ولن يحظى بالقبول من الحرس القديم الذي يرى في الوطن مزرعة له ولأولاده من بعده ،ولن نحصل على المبتغى من خلال إستجلاب خبراء أجانب من الخارج  وننعم عليهم بالمكاسب من منطلق "الفرنجي برنجي"، بل يتطلب وقتا وجهدا كبيرين وقبل هذا وذاك نوايا صادقة للتغيير نحو الأفضل،والإجابة على سؤال:هل نحن حقا نريد خلق مجتمع خال من العنصرية؟
 
علينا أن نجعل  من أبنائنا آلياتنا لتحقيق المراد لأنهم الأدرى بالواقع وهم المستهدفون ،بمعنى انهم سيبذلون جهودهم وهم واثقون أن المردود سيكون عليهم وعلى أبنائهم مستقبلا،تماما كمن يعمل في مصلحته ويعرف أنه كل ما بذل جهدا  اكثر حقق مدخولا اكبر.
 
الظلم مرتعه وخيم،وهو السم الزعاف الذي أطاح بالإمبراطوريات البائدة ،وبالتالي علينا الحرص كل الحرص على نقاء جهازنا القضائي ،وتأهيله جيدا وكذلك كافة الجهات المعنية بالحقوق .
 
المكاسب للجميع ،تماما كما نطلب الولاء والإنتماء من الجميع،وعلينا عدم فرض ذلك بالقوة ،ولنا في دول الجوار الأمثلة الصارخة ،فهناك من طرز شوارع بلده بصور تحتها شعار"منحبك" ،وعند حراك تلاميذ في إحدى مدارس الأطراف،إنقلبت الآية وصاح الجميع "إرحل"،وجرى تدمير البلد وتهجير الشعب وإستجلاب القوى العظمة لمصادرة السيادة ،وما كان ذلك ليحصل لو لم يكن الظلم والقهر والتهميش والإستبداد والتمييز العنصري والطائفية هي السائدة.
 
أهمس صارخا بأذن الحكومة أنها لم تعد هي اللاعب الوحيد في الساحة وخاصة بعد إختطاف ما يطلق عليه "الربيع العربي"،وإتصال القوى الكبرى بمنظمات المجتع المدني التي تحرص على تقديم  كل ما يطلب منها مقابل المنح والهبات والسفرات إلى عواصم الغرب بحجة العمل من اجل حقوق الإنسان والمرأة وغير ذلك.
 
أنصح الحكومة بإعتماد الشفافية في تقاريرها والصراحة لدى إجابة موفدها إلى الأمم المتحدة لمناقشة تقريرها ،وعليه ألا يطمئن للنفي الذي يؤكده عند سؤاله مثلا عن منع المحافظين لبعض الفعاليات أو لوقائع تتعلق بالتمييز وغير ذلك ،فلدى المعنيين بالأمر هناك الملفات الكاملة التي زودهم بها  العاملون في مجالات حقوق الإنسان  في البلد ،وكذلك السفارات الأجنبية العاملة في البلاد والتي تعرف عنا اكثر مما نعرفه عن انفسنا .
 
وانصح منظمات حقوق الإنسان وغيرها أيضا ألا تتخذ من هذه المهمة مصدر إسترزاق ،لأن الغرب غير مهتم بتمكين المرأة المسلمة بل يريد نسف قيمنا القائمة عليها ،ولا يريد لنا ان  نعيش  تحت مظلة الحقوق ،لأنه لو كان صادقا في توجهاته لردع مستدمرة إسرائيل الخزرية الإرهابية ولمنح الشعب الفلسطيني حقوقه ،ولتعلم هذه المنظمات أن الغرب هو الذي يزود الأنظمة القمعية بمعدات القمع  وما أكثرها .
 
ليس سرا القول أن دوائر صنع القرار في العالم لم تعد معنية بإستقرار الأوضاع في الأردن ،ولو كانوا كذلك لماتركوه يتخبط في أزماته الإقتصادية على الأقل ،وخاصة بعد إنعقاد القمم الماسونية الأربع مع ترامب في الرياض في شهر يونيو/حزيران الماضي ،وظهور تحالف خليجي-إسرائيلي يقصي الأردن.
 
يجب خلق شراكة إيجابية بين منظمات المجتمع المدني والحكومة  ،حتى لا يذهب الطرفانإلى جنيف وهما بحالة إستنفار ،مثل ناديين رياضيين موجهين  ينتج عن مبارياتهما مشاكل  لا داعي لها ،ونرى الطرفين يكيلان الإتهامات لبعضهما ويبدوان ك"الضرائر" فالوضع ليس محتملا أصلا.