عاجل

تحديد موعد بدء العمل بالتوقيت الشتوي

فهم التاريخ ضرورة حضارية

 فهم التاريخ ضرورة حضارية
الكاتب : د. عمر جعوان
كنت اقرا في بعض الاخبار العامة ، فوقفت عند خبر صغير تعجبت له وهو ان شباب من اليابان كانوا في رحلة في احدى الغابات ولما ارادوا ان يشعلوا نارا توقف العديد منهم امام اعجوبة اشعالها من عود ثقاب ، فالكثير منهم لم ير علبة الثقاب ولا كيفية استعمالها في الاشعال، واضاعوا الكثير من الوقت وهم يتحاورون حول عود الثقاب صنعا وامكانيات ، ذلك لانهم تركوا موضوع  واستعمال الكبريت عندما صنعوا القداحات وملأوها بسائل يشتعل الكترونيا ، فمحوا موضوع الكبريت من ثقافة المجتمع ، تعجبت وقلت في نفسي غريب ان يكون ذلك الانقطاع في نقل المعارف السابقة للاجيال اللاحقة في بلد التكنولوجيا والمعارف اللانهائية، وهل يدل هذا على تقدم حضاري فعلا ام هو ابتعاد عن وضع تاريخي معين اثار مشكلة ؟
 
ولا ادري لماذا ربطت تلك المعلومة الصغيرة باستمرار اليابان بتذكر القنبلة الذرية التي اصابتهم وما فعلته بهم ، وانهم لا زالوا يحتفلون بيوم الكارثة ويطالبون كل الاجيال بان لا ينسوها ولا يمحوها من خيالهم ابدا، فهل هذا الاحتفال ابراز للوحشية عند الجانب الاخر ام هو ابراز للهزيمة والاستسلام ؟ علما بان الاحتفال لا يقدم ولا يؤخر ولا يؤثر في الحالة التاريخية التي حصلت في الحرب العالمية الثانية.
 
لماذا على المواطن في اليابان ان يتوارث الشعور بالكارثة وليس عليه ربط حديث الحضارة بتاريخها واسبابها ، لا بد ان هناك سبب.
 
ثم عرجت على واقع الثقافة عند بني اسرائيل هذه الايام فان ارادوا ابراز وضع يجذب لهم التعاطف من القاصي والداني فانهم يفتحون التاريخ الحديث على مصراعيه من باب واحد وهو باب ما يسمونه بالمحرقة حيث يقولون بان هتلر قد احرق منهم الملايين خلال الحرب العالمية الثانية ، ويتحدثون عن السبي الكبير الذي فعلة معه نبوخذنصر وما تبعه من هدم الهيكل كما يقولون ، الا انهم لا يقولون ابدا لماذا كان السبي ولماذا كان الحرق ، ولكن الرابط الوحيد بين الحدثين هو ابراز حالة من الهزيمة والانكسار تسمح لهم بالانتقام ورد الشرف.
 
فهل يعني ان كان ما استنتجته صحيحا ان الاسرائيليين يمهدون لرغبته في الانتقام ورد الشرف المثلوم من احفاد نبوخذنصر في الشرق واحفاد هتلر في الغرب؟ ربما ، ولعل الخطة لديهم تبدأ في الانتقام اولا من الشرق وفي لحظة معينة سيتم الارتداد للغرب .
 
واما نحن فاننا نتصرف في تاريخنا بما يحلو لمن يرويه لنا ان يتصرف ، فلا نذكر من بعض الاحداث الهامة في التاريخ الا اسمها ، ولا نقدم بين يدي ابنائنا في مدارسهم الا وجهات نظر حول الاحداث في التاريخ وليس التاريخ نفسه ، فعندما تسأل اي من طلابنا على اي مستوى ماذا تعرف عن الاندلس مثلا؟ ياتيك بذكر طارق بن زياد واحراق السفن ثم ياتيك باخر الخلفاء وكيف تركها وماذا قالت له امه ساعتها، مع ان قصة الاندلس اكبر بكثير من هذين الحدثين ، وحتى لو تزاحمت الاحداث التي نعلمها للابناء وكانت حصة الاندلس بسيطة فليت منهاج التعليم يسمح ببيان لماذا فتحت الاندلس وماذا كان تاثير هذا الفتح على الامة الاسلامية وعلى جيران الاندلس ولماذا سقطت فعلا وكيف ومن اسقطها ؟ ان غياب الاجابة على تلك الاسئلة دفع لبعض اصحاب المأرب ان يقولوا بان هارون الرشيد العباسي تآمر على الخلافة الاموية في الاندلس وساهم في اسقاطها ، بالرغم ان تلك المعلومة غير صحيحة على الاطلاق ، وبسبب الفراغ في حيز التاريخ عن الاندلس تم دس تلك المعلومة المغلوطة لتفجر صراعا دينيا وعقائديا له عند البعض تطلع لاضعاف قواعد الثقافة عند الامة ، اي ان الفراغ في مساحة واقع التاريخ ومفهومه  يسمح ان يندس في تلك المساحة اي عكارة تفيد العدو.
 
قديما عندما كان هنلك صراع حول لقمة العيش كانت وسائل الصراع تتمثل في القوة الجسدية ، ومع تطور القدرة عند البشر بقي الصراع على لقمة العيش هو الهدف ولكن اسلوب الصراع تغير بعض الشيء حيث دخلت فيه مع القوة الاعيب والدسائس ، ولما اصبح الصراع حول المعتقدات والمفاهيم بدأ كذلك بالقوة الجسدية المدعومة بالمعتقدات والمفاهيم حول معاني الانتصار ومكاسب الحرب ، ولما اصبح القتال بالافراد والمواجهة المباشرة غير ممكن تغيرت اساليب القتال واصبح التشكيك بالتاريخ كمدخل للتشكيك بالمعتقدات احد اساليب الصراع ولكن الهدف لم يتغير ، ذلك ان هدم اركان التاريخ الذي كان اصلا نتاج حضارة في الحقب المتعددة هو انتصار محتم للعدو.
 
وحتى لا نسمح لانفسنا بالهزيمة من سلاح التشكيك في تاريخنا وحضارتنا فاني ادعو من له باع في نقل التاريخ لنا ولاولادنا ان يعيد النظر في المناهج والكتب ويقدم لنا ولاولادنا صورا كاملة للتاريخ تنفع في دعم وحماية ما نحن فيه من اركان وعقائد وتعرفنا بصدق ومتانة ما نحن عليه من خلال تعريفنا بالتاريخ الصحيح للاحداث ، ما هي بالضبط وكيف حدثت ولماذا حدثت بالطريقة التي حدثت بها  وماذا كانت نتائجها في حينها والى الان.