عندما تسقط الثورات - سعيد ناشيد

عندما تسقط الثورات - سعيد ناشيد

 أكثر ما يسيء إلى الثورات هو تقديسها واعتبارها معصومة عن الأخطاء، ومن ثمة الإصرار على غض البصر عن أخطائها وخطاياها، بدعوى أن الضحية بريئة في كل أحوالها براءة أصلية لا يبطلها باطل ولا تشوبها شبهة، وأنها مظلومة في كل حالاتها ومآلاتها، وأنها في آخر التحليل مهما عظمت شرورها فإن شرور النظام أعظم.

 
بوسعنا القول إن تقديس الثورات هو الضربة القاصمة لها والقاضية عليها. هنا يكمن الخطأ القاتل للثورة السورية، والتي منحت لأنصارها صك البراءة وحرمت نفسها من النقد الذي كانت تحتمله في أيامها الأولى، وما عادت تقبل أن يؤاخذ عليها أمر من الأمور حتى بعد أن وهبت نفسها للحركات الجهادية، ثم باركت كل التدخلات الأجنبية للدول والعصابات، وصولا إلى الدعم المباشر للهجوم التركي- العثماني على أكراد عفرين بسوريا، وهو المآل الذي سيبقى وصمة عار على جبين معارضة بلغ حقدها على النظام درجة بدأت فيها جرائمها في حق الأهالي تفوق جرائم النظام نفسه.
 
نستطيع بجهد جهيد أن نفهم منطق الولاء الذي يشعر به الإخوان المسلمون السوريون للسلطان أردوغان، لكننا مهما حاولنا فلن نستطيع أن نفهم ما يعنيه القتال تحت العلم التركي، وداخل ألوية وتشكيلات قتالية تحمل أحيانا أسماء سلاطين بني عثمان، فهل هو الولاء الأيديولوجي أم الإفلاس الحضاري؟
 
مخيف هذا السقوط المدوي للذاكرة الحضارية إلى حقبة ذاق فيها أجدادنا شتى صنوف التقتيل والإبادة والتعذيب من طرف قوات الاحتلال العثماني، فهل نسينا هذا؟ في حين لم تساهم الخلافة العثمانية بأي إبداع أو اكتشاف أو اختراع ينفع البشرية. فهل نسينا كل هذا؟ مثل هذا السقوط هو سقوط مهين في الجانب الأسوأ من قعر الانحطاط، إنه السقوط المخجل للثورة المغدورة.
 
عموما بوسعنا أن نقول بعبارات صريحة واضحة: ليس لأنّ بشار الأسد كان حاذقا وجيشه متماسكا وتحالفاته راسخة، وهذه معطيات لا نتجاهلها، لكن، ليس لهذا السبب انهارت “الثورة السورية” وتهاوت أحلام شهداء أشهر الحمل الأولى، والتي كانت أقرب إلى الحمل الكاذب: أنس الشّغري وإبراهيم القاشوش وأحمد البياسي وغياث مطر، وأبطال سلميون كثيرون، بل السبب هو أن “الثورة” قد وهبت نفسها لتجار الغنيمة وشيوخ الفتنة وأبواق الغلو، فأغرقوها في محرقة التهييج الطائفي والهياج الفتنوي، ثم سقط العقل الوطني صريعاً، وانتكست حكمة العقلاء سريعاً، وانطلقت أسوأ الغرائز والانفعالات منفلتة من عقالها.
 
الذي أجهض “الثورة المغدورة” ليس الاستبداد، لأن الاستبداد مهما طالت مدته وبلغت شدته فهو لا يقوى على قتل الإرادة حين يريد الشعب الحياة. الذي أجهض “الثورة المغدورة” ليس سلاح حزب الله ولا الدعم الإيراني ولا التدخل الرّوسي، ولا أي شيء من هذا القبيل، الذي أجهض “الثورة المغدورة” وبدّد الأمل، هم الجماعات التكفيرية والميليشيات الفتنوية التي توغلت وتغولت بدعم من “رفقاء السوء”، إما بسبب سوء التقدير، أو رهان قصير، وإما لمجرّد اندفاع انفعالي خطير. الذي أجهض “الثورة المغدورة” أن الثورة وُلدت ميتة بالفعل.
 
أن تجتمع اليوم معظم فصائل المعارضة السورية، من داعش إلى النصرة والإخوان والحر والأحرار وغيرها، على دعم الهجوم التركي (العثماني) على عفرين، وهي المعارضة نفسها التي ابتلعت ألسنتها عندما قصف الطيران الإسرائيلي عدة مواقع سورية خلال السنوات الماضية، وأن تصمت أمام قيام قوات الاحتلال التركي بالتمثيل الوحشي بجثة إحدى المقاتلات الكرديات، كل هذا يعني أننا أمام معارضة ساقطة تسعى إلى إسقاط النظام. وفي الأخير لا أحد سيُسقط أحداً، لأن الجميع ساقط. ما عسانا نقول في الأخير؟
 
ليست الحرية مجرّد معركة في السياسة، الحرية معركة في الثقافة والدين واللغة والجسد والصداقة والحياة اليومية والأخلاق الإنسانية. وما السياسات سوى قمم صغيرة من جبال سفوحها في أعماق المحيطات. نعم، يجب أن نحتج على القمة حين يقتضي الأمر، لكن، لا يجب أن ننسى النظر إلى السفح الذي هو القاعدة والأساس. هنا سيكون الطريق طويلا، لكنه طريقنا في الأخير، طريق التنوير العمومي. إنه الطريق الباقي عندما تسقط الثورات، وتتهاوى الأحلام الجميلة.
 
 
كاتب مغربي