كيف تحقق ذاتك.. ؟ - عبد اللطيف مهيوب العسلي

 كيف تحقق ذاتك.. ؟ - عبد اللطيف مهيوب العسلي
هذه النصيحة للشباب - على وجه الخصوص - بأن عليهم أن يحققوا ذواتهم من خلال التعليم الجيد والعمل الصالح الجيد . 
 
 - فأسوأ شيء أن يبقى الشباب بلا عمل فمن ﻻ يعمل فهو حي كميت، فلم يحقق ذاته ولم يكتشف مواهبه ولم يستتفيد من قدراته، وأسوأ منه من يكون أداة لغيره  يعمل عملا لم يرتضه و لم يعرف نتائجه ، فحين لا يحاول الشاب تحقيق ذاته من خلال التعلم الجيد والعمل الصالح، فإنه لا محالة ليس أمامه سوى أمرين ،  أما أن يكون كالأول الذي لم يفعل شيئا فيدفن نفسه في غيابة الجب ، ويبقى عالة على أسرته وعلى المحسنين  ، ويصاب بالإكتئاب والحالة النفسية ، وأما أن يكون وقودا للحرب ووعرضة لأن تصطاده زعماء الحروب ، أو الجماعات  الارهابية .
 
وفي اﻵيات الكريمات من سورة الإنسان هدى وتبيين للسبيل الأنسب لتحقيق الذات ..:
 
قال تعالى؛:
 
(( بسم الله الرحمن الرحيم
هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4) )) الإنسان
 
ففي اﻷيات تبيانا لطبيعة هذا الإنسان واحتياجه لتحقيق ذاته  ، فقد اصبح بعد الممات حيا منظورا ،
 وبعد العدم شيئا مذكورا ، 
وبعد الصمم سميعا ، 
وبعد الخرس ناطقا ،
وبعد السفه خبيرا .
 
ولذلك توجب عليه الشكر لله أوﻻ الذي جعله حيا  بعد الممات ، وجعله مذكورا بعد العدم ، وجعله سميعا ناطقا بصيرا خبيرا .
بعد السفه .
حتى عرف بما أعطاه الله من المواهب ، وتميز بتحقيق الذات  عن الحيوان،  ﻷن الحيوان يشبه الإنسان في الإحساس،  والأكل والشرب ، لكن الحيوان لا يستطيع نقل تجاربه للأخرين ، وليس لديه القدرة للوصول الى الحكمة  التي يتميز بها الإنسان من خلال العلم والمعرفة  ،
وهذه واحدة من الفوارق بين الإنسان والحيوان .
 وأما الثانية : 
أن كل إنسان يخلق من بطن أمه لا يفقه شيئا ، فيتولى الأبوين الإهتمام به وتغذيته ، بخلاف النحل - مثلا - التي الهمها الله  .. وكثير من الحيوانات ممكن تعتمد على نفسها من بعد ولادتها مباشرة،  أو بزمن قصير .
لهذا وجب عليه الشكر أوﻻ لله ، و ثانيا  لوالديه وهذا ما  دلتنا عليه الآيات في سورة لقمان قال تعالى : 
 
(( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) )) 
 
وقد دلتنا الايات في سورة النحل على أفضل السبل التي تسلكها النحل لكي نتعظ ونتفكر .
قال سبحانه وتعالى :
 
(( (( وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69)) النحل .
 
وﻷن النحل أقرب شبها  بالإنسان من عدة وجوه ، فقد أرشدنا للتفكر فيها :
 ،الوجه الأول : 
من حيث الغذاء فلا شك أن غذئها من أرقى اﻷغذية وأنفعها . الوجه الثاني :
ألسكن الراقي لها ،
الوجه الثالث: 
 النظام ، والعمل الجماعي ، والتخطيط المسبق والسليم ، وتقسيم العمل فيما بينها ، 
الوجه الرابع : 
 سلوكها  أحسن السبل . ..
لذلك أرشدنا الله للتفكر في ذلك فنكون مثلها نعمل عملا صالحا مفيدا فنجني أحسن النتائج ،
الوجه الخامس : 
لا شك أن أي عمل أو مجهود إنما يحكم على صلاحه وفساده من الفوائد والنتائج التي جناها العامل لها ،
فمن يمعن النظر في النحل يجدها قد أقدمت على عمل  كل ما من شانه أن يحقق أفضل النتائج وأحسنها   ، إبتداء بالتخطيط المسبق ، ومكان الإنتاج  ، والمادة  للأزمة للإنتاج ، وانتهاء بالمنتج في حالته النهائية  مما جعله شفاء للناس كما وضحت اﻵيات  في سورة النحل..
فما هي نتيجة العلم ، و العمل الصالح للإنسان الذي سلك طريق الرشد والهداية والحكمة ؟
لا شك أن الإنسان بما  اعطاه الله ، من عقل وعلم وحكمة أعظم من النحل إن هو أستغلها الاستغلال الأمثل ، وبالتالي فإن نتائج جهده ينبغي أن تكون أعظم من نتائج النحل ، فإذا كانت النحل ناتج عملها فيه شفاء للأجساد فإن. ناتج جهد وعمل الإنسان الصالح فيه حياة للناس ، ولغيرهم ، وفيه شفاء للعقول و الأذهان من الزور والبهتان ، والظلم والطغيان ، والإثم والعدان ،  ﻷنه قد تلقى هدايته من لدن عليم حكيم ،
 وهذا ما ارشدنا الله اليه في قوله تعالى:
(( (56) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (58) من سورة يونس .
ومادلتنا إليه اﻷيات من سورة الإنسان ،  يقوله سبحانه و تعالى : 
 
((  (4) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) )) سورة الانسان. 
 
فعليكم أيها الشباب أن تتفكروا وأن تأخذوا العبرة من النحل التي سلكت سبيل الله ، وسبيل الله هي أحسن السبل وأذللها  وهي مفيدة لكم ولغيركم، وستجنون أحسن الثمر والنتائج المفيدة لكم ولأسركم وللمجتمع  ، كما أنتجت النحل أحسن الفوائد لها واللإنسان بل وأكثر من ذلك أن يعطيكم الله الحكمة ، ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا .
فلستم أقل من غيركم من شباب العالم الذين تفوقوا  بالعلم والعمل ، فإن تفقوتم بالعلم العمل وتزودتم بالإيمان ستكنون أفضل منهم .
ومازال أهل العلم والحكمة ، والشعراء قديما وحديثا يستلهمون من النحل الكثير ، وينقلون ما أستلهموه  للناس  ، ونختم الموضوع بهذه اﻷبيات التالية :
 للشاعر فرحان متو 
 
 
( لنْ يملأَ النّحلُ المُجِدُّ خليةً  
                     ما لم يجدْ في الزّهْرِ بعضَ رحيقِ
 
فالرّزقُ مكنونٌ على علّاتهِ 
                           و السّعيُ مطلوبٌ بألفِ طريقِ
 
فاغنمْ منَ الأوقاتِ فُسْحتَها فقدْ
                      تمضي و إذْ بكَ تنتهي في الضّيْقِ
 
و اغنمْ من الدّنيا بُكورَ عطائِها
                                    فالجُودُ أوّلُهُ لذيذُ الرّيقِ
 
فالسّابقونَ و إنْ تعاظمَ جُهدُهمْ
                                 فيها أحقُّ النّاسِ بالتّوفيقِ
 
و أحقُّ أن يُعْطَوا نفائِسَ دُرِّها
                                و أحقُّ خلْقَ اللهِ بالتّصفيقِ )
..........   .....