امراء بني عباد بالأندلس - أبناء المعتمد

امراء بني عباد بالأندلس -  أبناء المعتمد
الكاتب : د. أحمد عويدي العبادي
 الأمير الأندلسي عبد الجبار
 هو أحد أبناء المعتمد بن عبَّاد ملك إشبيلية وقرطبة في عصر ملوك الطوائف، اشتهر بشنِّه ثورة على المرابطين عقب قضائهم على مملكة أبيه واحتلالهم للملكة العبادية الاندلسية. 
   ولا بد من القول ابتداء ان ما يدعى في التاريخ بحقبة ملوك الطوائف وكانت المملكة العبادية احداها، انما هي فترة تاريخية في الأندلس بدأت على يد محمد بن ابي عامر، وتم استكمالها بحدود عام 422 هـ عندما أعلن الوزير أبو الحزم بن جهور سقوط الدولة الأموية في الأندلس وكانت عاصمتها قرطبة والقضاء على اخر ملوك بني امية وهو المستكفي والد الشاعرة الاموية الاندلسية المشهورة ولادة بنت المستكفي. 
   بعد وفاة المنصور بن أبي عامر عام 399 هـ، تولى أخوه شنجول حجارة الدولة الأموية في الأندلس، الذي (أي شنجول) أجبر الخليفة الاموي هشام المؤيد بالله على إعلان تولية شنجول ولاية عهد الخليفة، مما أثار حفيظة أمراء بني أمية ودبروا المكائد لاستعادة سيطرتهم على الحكم حتى استطاع محمد المهدي بالله ((366 هـ -400 هـ) الحاكم الحادي عشر والخليفة الرابع للدولة الأموية في الأندلس). قتل شنجول وخلع المؤيد بالله، وإعلان نفسه خليفة المسلمين في الأندلس 
    اما وان الشيء بالشيء يذكر فانه بعد وفاة الخليفة الاموي الحكم المستنصر بالله عام 366 هـ، وتنصيب ابنه الطفل هشام المؤيد بالله خلفًا له. بدأت نهاية دولة الأمويين في الأندلس تتلاشى وتغيب شمسهم بسيطرة الحاجب المنصور ومن بعده أبناؤه كل من: الحاجب المظفر وعبد الرحمن شنجول على الخليفة وجردوه من اختصاصاته جميعها، فلم يبق له من الأمر إلا الاسم، بل وصل الأمر بشنجول أن أجبر هشام المؤيد بالله أن يعلنه (يعلن شنجول) وليًا للعهد في ربيع الأول 399 هـ.
      أثارت سيطرة العامريين لسنوات على مقاليد الحكم، ثم إعلان شنجول وليًا لعهد الخليفة حفيظة أمراء بني أمية وأولياءهم ممن رأوا في ذلك، إنهاء الشرعية لولاية أمويي   الأندلس على حكم الأندلس. اجتمع هؤلاء على محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر أحد أمراء بني أمية الذي كان مشحونًا بمشاعر الكراهية تجاه العامريين، لقتلهم أباه قبل عامين. 
    وفي 16 جمادى الآخرة 399 هـ، استغل الخليفة الاموي الجديد محمد بن هشام خروج شنجول في حملة عسكرية في الشمال، وهاجم في جمع من أصحابه قصر قرطبة، وأجبر والده الخليفة هشام المؤيد بالله على خلع نفسه، فأعلن ابنه محمد بن هشام نفسه خليفة في اليوم التالي، ولقّب نفسه بالمهدي بالله، واختار سليمان بن هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر وليًا لعهده.
     وعلى إثر ذلك بدأت فترة من الاضطرابات الداخلية في الأندلس عرفت بفتنة الأندلس (دامت 23 عاما) حتى عام 422 هـ، وانتهت بتفكك الخلافة الاموية إلى إمارات صغيرة متناحرة عرفت باسم ممالك الطوائف 
     وكان من أبرز هذه الممالك وأقواها الذين كان أبرزهم: بنو عباد في إشبيلية في الغرب وكانوا أقوى ملوك الطوائف وأكثرها ازدهارا واستقرارا، وأيضا بنو حمود أصحاب مالقة والجزيرة الخضراء في الجنوب، وبنو ذي النون في طليطلة وبنو هود في سرقسطة في الشمال وبنو عامر في بلنسية ومرسية في الشرق.
     وبناء على هذا السقوط المريع للخلافة الاموية، انقسمت بلاد الدولة الاموية الاندلسية الواحدة الموحدة الى 22 دويلة استقل فيها كل وال من ولاة الاندلس بولايته معلنا نفسه ملكا او اميرا أو بناء دويلة منفصلة، وتأسيس أسرة حاكمة من أهله وذويه. وكان أقواها واغناها واوسعها واشملها: المملكة العبادية / بني عباد وعاصمتها اشبيلية، ونشأ ملوك وممالك الطوائف في كل من غرناطة وأشبيلية والمرية وبلنسية وطليطلة وسرقسطة والبرازين والبدا جوز ودانية والبليار ومورور.
     وبينما ورثت تلك الدويلات ثراء الخلافة الاموية والهوية الوطنية الاندلسية الجامعة، إلا أن عدم استقرار الحكم في هذه الممالك والتناحر والتنافر المستمر بين بعضها البعض، جعل منهم فريسة لممالك الشمال المسيحية، ووصل الأمر إلى أن ملوك الطوائف كانوا يدفعون الجزية للملك ألفونسو السادس ملك قشتالة وسائر الملوك الاسبان، وكل منهم يستعين به على أخوانه الاخرين من امراء الطوائف العرب.
وبعد سقوط مملكة بني عباد في اشبيلية على ايدي المرابطين، واسر الملك المعتمد من قبل قوات يوسف بن تاشفين، وصل ابنه الأمير عبد الجبار بن المعتمد إلى حصن منت ميور، وكانت تسيطر عليه جماعة من الثوار الفارين من سجن اشبيلية، فولُّوه عليهم ظانين أنه الراضي بن المعتمد الذي كان محبوبا لدى الشعب. 
   قويت سلطة عبد الجبار بن عباد، وجاءت أمه إلى حصنه لتعيش معه، ثم دعاه أهل مدينة أركش للقدوم إليهم (بلدية أَركُش (بالإسبانية: Arcos) هي إحدى بلديات مقاطعة برغش، التي تقع في منطقة قشتالة وليون، والتي تقع في شمال غرب إسبانيا.)، فأتى مدينتهم وضمَّها إليه عام 488 هـ.
    فرح المعتمد في البداية بثورة ابنه وتأمَّل بها خيراً، لكنه تخوَّف مما قد تجلبه عليه من إساءة المعاملة من المرابطين وهو ما كان بالفعل.  فعندما سمع يوسف بن تاشفين بأمر ثورة عبد الجبار أمر بتشديد ظروف سجن والده المعتمد في اغمات وتقييده بالحديد.  وقال المعتمد في ذلك عن ثورة ولده: «عرض بي للمحن ورضي لي أن أمتحن».
ومع هذا فقد تهلَّل المعتمد عندما أنبئ اول مرة بخبر ثورة ابنه عبد الجبار، واعتقد أنها ستعيد له ملكه، وأثارت اشتياقه لأيام الحروب والمعارك، فقال في ذلك: 
كذا يهلك السيف في جفنه إلى هز كفي طويل الحنين
مدا يعطش الرمح ثم أعتقله ولم تروه من نجيع يميني
رغم ذلك، فإنَّ سكان المنطقة لم يكونوا راضين عن ثورة عبد الجبار، لأنهم سئموا الحروب وتقلب الدول، وسئموا غياب الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وهم يخضعون للانتقام من المرابطين بسبب تأييدهم وتعاطفهم مع ثورة عبد الجبار، وسُرعَان ما زحف إليه القائد المرابطي سير بن أبي بكر وضرب الحصار على أركش، واستمرَّ الحصار لشهورٍ حتى أصيب عبد الجبار بسهمٍ في إحدى المعارك أرداه قتيلاً، وكان ذلك عام 490 هـ. 
أبناء المعتمد البارزين 
ولا بد من الحديث عن أبناء المعتمد البارزين باقتضاب حسبما ترويه لنا كتب التاريخ 
كان المعتمد مزواجا ولديه السراري، وكان ينجب منهن، وصار له عدد وافر من البنين والبنات، منهم الأمراء الأربعة الذين قتلوا قبل وصوله إلى المنفى فضلا عن الأمير عبد الجبار الذي ثار على المرابطين واعتصم بحصن أركش بعد نفي أبيه ... حتى سقط صريع سهم أصابه كما ذكرنا أعلاه ...
أما في أغمات فتحدثنا كتب التاريخ والاشعار، انه كان معه طفله الصغير الاثير الى نفسه ونفس امه الرميكية وهو أبا هاشم الذي رأى والده في القيد فارتاع.
يبصرني فيك أبو هاشم                  فينثني والقلب قد هشما
وقد تم دفنه الى جوار والديه، ومن خلال طول القبر نجد ان أبا هاشم هذا مات طفلا حسرة على والديه اللذين ماتا تباعا خلال أيام، ولم يطق الحياة بعدهما وحيدا غريبا، فمات كمدا وحسرة ويتما رغم صغر سنه.
ونجد المعتمد يصف بناته يوم العيد في قطعته الشهيرة التي سبق ونشرنا منها مقطعا حسبما تقتضيه أمور المقال والحال، فخاطب نفسه قائلا:
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا     فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة         يغزلن للناس لا يمكن قطميرا
 ورافقه أيضا في أغمات ابنه فخر الدولة الذي تعلم الصياغة ورآه الشاعر ابن اللبانة فقال في ذلك قصيدة شهيرة.
ونجد له ابنا آخر اسمه شرف الدولة ذكره ابن اللبانة أيضا ووصفه بحسن السمت وكثرة الصمت...
وأخيرا نجد في مخطوطة الذيل والتكملة للحافظ ابن عبد الملك الانصاري ترجمة صغيرة لعبد الوهاب بن المعتمد الذي كان يلقب بعز الدولة.
قال ابن عبد الملك الأنصاري الأوسي المراكشي أبو عبد الله، في كتابه الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، حققه إحسان عباس -محمد بن شريفة -بشار عواد معروف: 
((ان عبد الوهاب بن المعتمد اخذ عن مالك بن وهيب الاشبيلي (ولد 453هـ، إشبيلية -توفي 525هـ مراكش) وغيره، ولما خلع (بضم الخاء) أبوه المعتمد أخذ عن مالك بمراكش، وولي صلاة الفريضة بمراكش، واستنيب بالخطبة دهرا طويلا، ثم تخلى عن ذلك وانقبض وذهب إلى تادلا، وبها توفي بعد العشرين وخمسمائة هجرية)).
الأمير الرشيد بن المعتمد بن عباد 
  هو الأمير أبو الحسين عبيد الله الرشيد بن المعتمد، هو أحد أبناء المعتمد بن عبَّاد ملك إشبيلية وقرطبة في عصر ملوك الطوائف. كان موثوقا لدى والده المعتمد حيث عينه على قضاء إشبيلية، ونصَّبه ولياً للعهد، إذ كان ينوي أن يخلفه في الحكم. ا
  (وقوع الرشيد في الاسر عند كونت برشلونة المسيحي):
  وعندما أراد الشاعر أبو بكر بن عمار -وزير المعتمد بن عباد -غزو مدينة مرسية، قرر التفاوض مع كونت برشلونة الاسباني ريموند برانجيه ليحصل ابن عمار على المساعدة من الكونت في الغزو لتكون عملية عسكرية واحدة. عرض ابن عمار أخذ ابن أخ الكونت رهينةً عند المعتمد بن عباد ليضمن أن يساعده الكونت في فتح المدينة، وفي المقابل يصبح الرشيد بن المعتمد -قائد الحملة -رهينةً عند الكونت إذا لم يصل إليه المال الذي وُعِدَ به من قبل ابن عمار والمعتمد بن عباد. 
  إلا إنَّ ابن عمار لم يخبر المعتمد بهذا الشرط من الصفقة. وفي عملية مشتركة ضرب جيشا المعتمد والكونت الحصار على مرسية، وعاد المعتمد إلى قرطبة ومعه الرهينة (ابن أخ الكونت)، وتأخر بإرسال المال، فظنَّ الكونت أنه خدع، وقبض على الفور على الرشيد وابن عمار، وفشل جيش إشبيلية بتحريرهما.
    عاد المعتمد إلى إشبيلية، وسجن ابن أخ الكونت، ففشل الحصار على مدينة مرسية، وانسحبت الجيوش العبادية والاسبانية من مرسية.   لكن عندما اتجه المعتمد بن عبَّاد إلى الصلح مع الكونت مقابل تسليمه المال وتبادل الرهائن ليستعيد ابنه الرشيد، طالب الكونت بتسليمه ثلاثين ألف مثقال من الذهب زيادة لقاء ذلك، ولم يكن المعتمد يستطيع تدبير هذا المبلغ، فصنع عملة زائفة من خليط من الذهب والمعادن، ولم ينتبه الكونت إلى ذلك، فتمَّت المبادلة، وعاد الرشيد إلى كنف والده المعتمد.  
     وعندما أراد المعتمد استدعاء المرابطين إلى الأندلس لمساعدة ملوك الطوائف ضدَّ مملكة قشتالة الاسبانية النصرانية، اعترض عليه الرشيد قائلاً: «يا أبت، أتدخل على أندلسنا من يسلبنا ملكنا ويبدّد شملنا؟»، فأجاب ابنَه: «أي بني، والله لا يُسمَع عني أبداً أني أعدتُّ الأندلس الى دار كفر، ولا تركتها للنصارى، فتقوم عليَّ اللعنة في منابر الإسلام مثل ما قامت على غيري».
   وعندما طالب يوسف بن تاشفين أمير المرابطين أن يُسلِّمه المعتمد الجزيرة الخضراء ليعسكر فيها عند دخوله الأندلس، اعترض الرشيد في ذلك: «يا أبتِ، ألا ما تنظر إلى ما طلب؟»، فأجاب المعتمد: «يا بني، هذا قليلٌ في حقّ نصرة المسلمين»، فردَّ الرشيد: «يا أبتِ افعل ما أمرك الله»، وأجابه المعتمد: «إن الله لم يلهمني إلا هذا، وفيه خيرٌ وصلاحُ لنا ولكافَّة المسلمين». 
    وعندما ذهب المعتمد لخوض معركة الزلاقة مع ابن تاشفين ضد قشتالة، ولَّى ابنه الرشيد بن المعتمد لتدبير أمور إشبيلية إلى حين عودته. وعندما انتصر المعتمد في المعركة أرسل على الفور حمامة زاجلة إلى الرشيد في إشبيلية لينبؤه بالخبر، وأعلن الرشيد النصر والظفر على ملك قشتالة من على منبر المسجد الجامع في المدينة.  وكانت رسالة المعتمد إلى الرشيد تقول:  
   ((  كتابي هذا من المحلة يوم الجمعة الموافي عشرين من رجب، وقد أعزَّ الله الدين، ونصر المسلمين، وفتح لهم الفتح المبين، وأذاق المشركين العذاب الأليم، والخطب الجسيم، فالحمد لله على ما يسَّره وسناه من هذه الهزيمة العظيمة، والمسرة الكبيرة، هزيمة أدفونش أصلاه الله نِكال الجحيم، ولا أعدمه الوبال العظيم، بعد إتيان النهب على محلاته واستئصال القتل في جميع أبطاله وأجناده، وحماته وقواده، حتى اتخذ المسلمون من هاماتهم صوامع يؤذنون عليها، فلله الحمد على جميل صُنعِه، ولم يُصبنِي بحمد الله تعالى إلا جراحات يسيرة ألمَّت لكنها فرجت بعد ذلك وغنمت وظفرت )).
 وعندما تعرَّضت إشبيلية عاصمة بني عبَّاد للحصار على أيدي المرابطين عام 484 هـ (1091م)، أصيب المعتمد بالخوف والاضطراب، فترك أمر تدبُّر كافة شئون إشبيلية للرشيد.  ثم سقطت إشبيلية واقتيد الرشيد مع والده أسيراً إلى المغرب. وأثناء نقلهم من مكناسة إلى أغمات عتب المعتمد عتاباً كبيراً على الرشيد، فكتب الرشيد شعراً إلى والده يستعطفه 
يا حليف الندى ورب الساح وحبيب النفوس والأرواح
من تمام النعمى على التماحي لمحة من جبينك الوضَّاح
قد غنينا ببشره وسناه         عن ضياء الصبح والمصباح
وردَّ عليه والده المعتمد بن عباد بشعرٍ مماثل 
اشتهر الرشيد بالكرم والنجوى، ويروي ابن بسام أنه في أحد مجالسه امتدحه وزير المعتمد أبو بكر بن عمار بالشعر قائلاً:  
ماضر إن قيل إسحاقٌ وموصله       ها أنتَ، أنتَ وذي حمصٍ وإسحاق
أنت الرشيد فدع من قد سمعتَ به وإن تشابه أخلاق وأعراق
لله دركَ داركها مشعشعة                   واحضر بساقيكَ ما قامت بنا ساق
ويروى الشاعر أبو بكر بن اللبانة أنه في عام 483 هـ بينما كان في مجلس الرشيد بن المعتمد جاء ذكر غرناطة وسقوطها في يد يوسف بن تاشفين أمير المرابطين (وذلك قبل أن يأخذ أيضاً إشبيلية عاصمة بني عبَّاد بقليل)، فارتعد الرشيد وأخذ يتحدث عن قصرها، وأخذ من في المجلس يدعون لقصره وملكه بالدوام. عند ذلك أمر الرشيد بأن يقوم له أبو بكر الإشبيلي يغني، فأنشد ما يلي:
يا دار مية بالعلياء فالسند أقوت، وطال عليها سالف الأمد
فتجهَّم الرشيد أكثر متشائما مما قيل له (لخوفه من ضياع ملكه على أيدي المرابطين)، ثم أمر أشخاصاً آخرين بالغناء فقالوا ما جعله يتجهَّم ويتطير أكثر، وآخر الأمر قام ابن اللبانة فأنشد:
محلَّ مكرمةٍ لا هُدَّ مبناه          وشمل مأثرةً لا شتَّهُ الله
البيتُ كالبيتِ لكن زاد ذا شرفاً إنَّ الرشيدَ مع المعتدِّ رُكنَاه
ثاوٍ على أنجم الجوزاء مقعدُهُ وراحلٌ في سبيل الله مثواه
فارتاح الرشيد ورضي عنه.  
   الراضي بن المعتمد بن عباد 
أبو خالد يزيد الراضي بالله بن المعتمد (؟ -484 هـ/1091م) هو أحد أبناء المعتمد بن عباد ملك إشبيلية وقرطبة في عصر ملوك الطوائف. تولَّى حكم مدينة رندة نيابة عن والده، وقتله المرابطون غدراً بعد أن سلَّمها إليهم عام 484 هـ (1091م).
ولايته على الجزيرة الخضراء
عندما استدعى المعتمد بن عباد المرابطين إلى الأندلس لمساعدته في مواجهة قشتالة، كان الراضي يتولى حكم الجزيرة الخضراء. لكن الراضي لم يكن قد تلقى بعد أمراً بتسليمها من والده، لذلك عندما بدأ المرابطون بالعبور من سبتة تحصَّن ورفض أن يتنازل لهم عنها، وأرسل إلى المعتمد بالحمام الزاجل يخبره عن الحال. وعندما سمعَ المعتمد بذلك لم يجد بداً من التنازل عنها، فأسرع بإرسال الأمر إلى الراضي بتسليمها، واستجاب الراضي فأخلاها وانسحب مع جنده نحو رندة.
هجوم لورقة
بعد معركة الزلاقة، أراد والده المعتمد من ابنه الراضي أن يقود حملةً لصدّ جيش مملكة قشتالة الذي كان متوجِّهاً لمهاجمة مدينة لورقة، إلا إنَّ الراضي أعرض عن خوض الحرب، وفضَّل البقاء لحبِّه الأدب والشعر لا خوض المعارك، فقرَّر المعتمد تعيين أخيه المعتدّ بالله مكانه على رأس الجيش. 
   كان عدد الأندلسيّين كبيراً، إلا إنَّهم انهزموا رغم ذلك وخسروا المعركة مع القشتاليين، وأثارت الهزيمة غضباً شديداً في نفس المعتمد، وعاد إلى إشبيلية خاسراً. وعندما سمع الراضي بذلك أراد التخفيف عن والده، فأرسل إليه (الى والده المعتمد) أبيات: 
لا يكرثنك خطب الحادث الجاري فما عليك بذاك الخطب من عار
ماذا على ضيغم أمضى عزيمته أن خانه حد أنيابٍ وأظفار
لئن أتوكَ فمن جبنٍ ومن خَوَر قد ينهض العير نحو الضيغم الضاري
عليك للناس أن تبقى لنصرتهم وما عليك لهم إسعاد أقدار
لو يعلم الناس ما في أن تدوم لهم بكوا لأنك من ثوب الصِّبا عار
ولو أطاقوا انتقاصاً من حياتهم     لم يتحفوكَ بشيءٍ غير أعمار
إلا إنَّ المعتمد بقي غاضباً منه، لكنه فضَّل مخاطبته بالأسلوب الساخر الهاجي لا الثائر، فردَّ عليه بأبياتٍ منها:
الملك في طي الدفاتر فتخلَّ عن قود العسكر
طف بالسرير مسلماً وارجع لتوديه المنابر
وازحف إلى جيش المعا رف تقهر الحبر المغامر
واطعن بأطراف الير اع -نصرت -في ثغر المحابر
واضرب بسكين الدوا ة مكان ماضي الحد باتر
وردَّ عليه ابنه الراضي من جديدٍ بأبياتٍ فاتحتها:
مولاي قد أصبحت كافراً بجميع ما تحوي الدفاتر
وفللت سكين الدوا ة وظلت للأقلام كاسر
وعلمت أن الملك ما بين الأسنة والبواتر
وأحسن الراضي الاعتذار في قصيدته هذه، فطابت نفس المعتمد وسامحه على فعلته.   
هجوم المرابطين ومقتل الراضي 
عندما هاجم القائد المرابطي سير بن أبي بكر مملكة المعتمد بن عبَّاد بهدف ضمِّها إلى المرابطين، كان الراضي يتولَّى أمور مدينة رندة، وهي من مدن الأندلس الحصينة. عسكر المرابطون قريباً من رندة، وظلُّوا كذلك حتى سقوط إشبيلية وأسر المعتمد (والد الراضي). 
   فأجبره المرابطون هو زوجته اعتماد الرميكية عل أن يكتبا للراضي يرجواه أن يستسلم، ويخبراه بأنَّه إذا لم يفعل فإنَّهما سيُقتَلا. وافق الراضي تحت هذا التهديد على التخلي عن رندة بعد عقد ميثاقٍ مع المرابطين، لكن ما إن خرج منها حتى قتل غدراً وأخفيت جثَّته.  حزن المعتمد على وفاة الراضي حزناً كبيراً، وقال يرثيه هو وأخاه الفتح:  
بكت واحداً لم يشجها غير فقده وأبكى الآلاف عديدهم كثر
بَنِيَّ صغيرٌ أو خليل موافق يمزِّق ذا فقرٍ ويغرق ذا بحر
ونجمان، زينٌ للزمان، احتواهما بقرطبة النكداء أو رندة القبر
وقال كذلك في رثائهما:
يقولون صبرا، لا سبيل إلى الصبر سأبكي وأبكي ما تطاول بي عمري
هوى الكوكبانِ: الفتح ثم شقيقه يزيد فهل عند الكواكب من خبر
ترى زهرها في مأتمٍ كل ليلة تُخمَّش لهفاً وسطه صفحة البدر
ينحن على نجمين، أثكلت ذا وذا وأصبر ما للقلب في الصبر من عذر