الرد على عطوان وأردوغان - فهد الدغيثر

الرد على عطوان وأردوغان - فهد الدغيثر

 لا يتلقى التحرّش والمناوشات والغيرة ومحاولة التخريب من الغير إلا الطرف الأقوى، ولذا فقلما نجد أحداً يتحرش أو يحاول إفساد مشروع يقوم به طرف صغير لا قيمة له، انطلاقاً من مقولة لا يرمى إلا الشجر المثمر. المشكلة في الحالة التي أريد التحدث عنها تكمن عندما لا يرى الطرف القوي قوته، أو بعبارة أدق لا يرى هذا الطرف أنه أصبح قوياً، هنا نجده يتفاعل مع التحرشات والأكاذيب واللمز ويحاول الرد والمجاراة وكأنه الطرف الأضعف ويحقق بلا وعي أهداف الطرف الآخر. ما دفعني إلى كتابة هذه المقدمة هو مشاهداتي المتكررة للعدد الهائل من الردود السعودية المنفعلة في تويتر والموجهة ضد تصريح إما صدر من تركيا أو من أي مغرد معارض معروف يلقي باللوم على المملكة حول هذه الحادثة أو تلك، هذا لا يعني بالطبع تخلي بعض الساسة أو الكتّاب عن تفنيد هذه المزاعم أو تلك بالمضمون أو التوقيت الملازم، لكنني ضد تحول ذلك إلى قضايا كبيرة وخطرة.

 
 
هناك عامل آخر أراه في غاية الأهمية، ذلك أننا في المملكة على الأقل وبسبب الضعف الإعلامي الداخلي الذي يفترض أن يسلط الضوء على هموم الوطن وما يحدث به بحيث ينشغل الناس في ذلك، بسبب هذا الضعف، لا يشغلنا من الأخبار حقيقة أكثر من هذه المناوشات سواء أتت من دول أم وسائل إعلام ساقطة.
 
أستذكر في هذه الحالة ردود الفعل التي أصابتني بالذهول عندما وطأت قدماي الولايات المتحدة للمرة الأولى في ربيع ١٩٧٤ وكيف أن هذا الشعب لا يفكر ولا يهتم إلا بما يحدث داخل بلاده، كنا نستغرب مثلاً من طرح سؤال مثل أين تقع السعودية في خريطة العالم، السبب في ذلك وأنا أتحدث عن فترة زمنية سبقت عصرنا الحالي بأربعة عقود، أن التغطية الإعلامية هناك تجد في تناولها الشأن الداخلي ما يكفي لجذب المشاهد والمحافظة على وعيه بما يدور في بلاده أو مدينته. نستثني بالطبع تغطية الأخبار الدولية الكبرى المتصلة بالأمن الوطني، وهذه عندما تقع فهي تخرج على الشاشة في الحال كأخبار عاجلة تليها تغطية موسعة وتعليقات متنوعة. مع هذه السياسة الإعلامية قلما تجد من الأميركان من يكترث لتصريحات مناهضة لبلادهم صدرت من الخارج، سواء من دول أو هيئات أو أفراد وما أكثرها. يتعاملون مع مثل هذه التصريحات تلقائياً من مبدأ «القافلة تسير والكلاب تنبح» هذا على افتراض أنهم اطلعوا أصلاً عليها. هذه حقيقة ما أتمنى الوصول إليه في بلادنا عملاً وليس قولاً، على أن تحقيق هذا الهدف يتطلب كما أشرت، وجود سياسة إعلامية مختلفة عما هو معمول به اليوم؛ سياسة تتناول ما يحدث داخل الوطن من أخبار مثيرة بالتغطية والمتابعة المناسبة وتضع ذلك أولوية.
 
قد يكون مناسباً أن أشير إلى حدث وقع بالفعل في السعودية قبل أيام يجسد ما أريد الوصول له، فعلى رغم خطورته فبالكاد وجدت من تناوله من وسائل الإعلام السعودية، وأنا هنا أحدد المحطات التلفزيونية والإذاعية على وجه الخصوص. وقعت القصة في مستشفى خاص في مدينة الدمام عندما دخل أحد المراجعين وذهب مباشرة لمسؤول التمريض الذي يقف خلف كاونتر الاستقبال وانهال عليه بالطعن بسكين يحملها. يقال بأن المكان تحديداً كان في منطقة العناية المركزة داخل المستشفى. كاميرات المراقبة التقطت المشهد بالكامل وتم تسريبه في وسائل التواصل الاجتماعي في حينه، لا أذكر وربما أكون مخطئاً أن مراسلاً واحداً سواء من التلفزيون السعودي أم غيره طار إلى المكان ليغطي هذا الحدث على رغم خطورته وأهمية إلقاء الضوء عليه، فضلاً عن وضعه في شريط الأخبار العاجلة. هذا الاعتداء الصارخ وبصرف النظر عن الدوافع، يمثل إرهاباً واعتداء على هيبة الدولة لا يقل خطورة عن أي إرهاب آخر.
 
ماذا عن حوادث السير المميتة في الطرق السريعة، هل شاهدتم ولو لمرة واحدة كاميرا التلفزيون الإخبارية متواجدة في موقع حدث مميت كهذا بعد دقائق من وقوعه؟ أتحدث عن حوادث يموت بسببها عائلة بأكملها وأي خبر أهم من ذلك في أي وقت وأي مكان؟ هل شاهدتم بحياتكم استضافة مراسل التلفزيون لشهود عيان شاهدوا الحادث؟ هذه أمثلة بسيطة لما تهتم به وسائل الإعلام الأميركية والغربية عموماً عندما تقع هذه الحوادث هناك وتسلط عليها الأضواء وتتابعها إلى النهاية بما في ذلك محاكمة المعتدين وصدور الأحكام. هناك قصص مماثلة سواء تلك المتعلقة بالسطو والسرقات أم التفحيط المتهور أم غير ذلك. قد يظن البعض أن الموضوع مجرد بحث عن إثارة والحقيقة غير ذلك. وقد يجده البعض مشوهاً لسمعة البلاد وأن مثل هذه القصص لا يجب أن تخرج للعالم وهذا أيضاً خطأ ويعبر عن نظرة قاصرة، اهتمام الإعلام الموضوعي الممنهج بمثل هذه القصص يضعها قضايا شأن عام وهذا يساهم في تلافي وقوعها مجدداً بسبب ارتفاع الوعي وتهذيب الأنظمة وتطويرها، كما أن مثل هذا الاهتمام يضع الشأن الداخلي بالمرتبة الأولى بحيث ينشغل المواطن بالحديث عنه والمساهمة في مناقشات تبحث عن الحلول بدلاً من انشغال الناس بما يقوله أردوغان مثلاً أو أي شخص أو منظمة لا قيمة لها.
 
هل لي بهذه المناسبة أن أقترح إضافة لنشرة الأخبار بعد تطويرها، إدراج ساعة مخصصة للسعودية في كل القنوات التلفزيونية والإذاعية المملوكة تخصص لتغطية الصغير والكبير داخل الوطن، ساعة تحمل تغطية للمشاريع السعودية الواعدة والأخبار الجميلة، وتحمل أيضاً تغطية لما قد يقع من حوادث مؤسفة سواء جريمة أم مجرد حوادث سير كارثية. نتحدث هنا عن تغطية احترافية وليس مجرد خبر لا يحمل أي إضافة، على أن تحقيق ذلك يتطلب نقلة نوعية في المهنية الإعلامية كتوظيف وتدريب مئات المراسلين والمنتجين الجدد للعمل في مدن وقرى الوطن كافة.
 
إن كنا ننفق البلايين على مؤسسات العلاقات العامة العالمية وهذا عمل مشروع ومطلوب وتمارسه كل دول العالم، فما المانع من توفير جزء من هذه المبالغ لبناء قاعدة إخبارية يتناسب إنتاجها مع هموم الوطن وانتقاله السريع إلى مصاف الدول الكبرى، كما لا يفوتني أن أكرر ما سبق وأن طرحته في هذه الصحيفة حول زيادة عدد محطات الإذاعة، منها ما ينقل الأخبار مباشرة من قنواتنا، ومنها جديدة في مدن سعودية عدة، بدلاً من وجود سبع محطات حالياً لا هم لها إلا بث الأغاني السمجة والبرامج التافهة.
 
عندما نفعل ذلك بالمضمون والشكل والإثارة المطلوبة فإننا سننشغل بالوطن ونساهم في حراكه وتنميته ونتفاعل إيجاباً مع تحولاته، وفي الوقت ذاته ونتيجة لذلك سنهمل تلقائياً تحرشات ومناوشات تخرج من أمثال أردوغان وعطوان وقناة الجزيرة أو هذا وذاك أو سنقلل من أهميتها حتى عند سماعها، هذا الإهمال والتجاهل يمثل الكبرياء اللائقة بالمملكة وشعبها، وهو الدرع الأقوى في الرد على كل الإساءات والعكس صحيح، إذ إن الدخول معهم في تلك الوحول والمستنقعات طريق لا نهاية له ويكون غالباً سبب تلوث هندامنا النظيف، وهذا حقيقة ما يهدفون إليه.
 
هل نفعل؟
 
أتمنى ذلك.
 
* كاتب سعودي