الحلقة السادسة: بلقيس في التوراة والانجيل

 الحلقة السادسة: بلقيس في التوراة والانجيل
الكاتب : د. أحمد عويدي العبادي
أشارت التوراة والروايات الإسرائيلية الى الملكة بلقيس بشيء من التناقضات واضفت عليها أساطير وخرافات لا تتفق مع العقل من ان لها حافرا كحافر الحمار، وأنها تزوجت سليمان وهذا كلام غير صحيح جملة وتفصيلا، لأنها جاءت لإنقاذ بلادها وليس لشهوتها ومزاجها، كما ان زواجها منه لا يحقق الاستقرار العائلي والانجاب من شخص غير عربي وهي عربية وملكة العرب، لأنه في فلسطين وهي في بادية الأردن على تخوم الربع الخالي.
    وقد صورت التوراة النبي سليمان بأسوا صورة ونسبت اليه تصرفات وعقائد لا تليق بنبي مكرم من عند الله سبحانه. وتدعي التوراة ان بلقيس هي من جاء طواعية الى سليمان بعد ان سمعت به، وليس بالطريقة التي ذكرها القران الكريم، فالله اصدق منهم جميعا ونحن لا نعتمد في هذا الا الرواية القرآنية لأنها كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه 
وجاء في سفر الملوك من العهد القديم ما يلي: 
ورد أقدم ذكر للملكة بلقيس في سفر العهد القديم (سفر الملوك الأول)، في موقعين، وتقول القصة بأن الملكة سمعت بحكمة الملك سليمان وشهرته، فقدمت إليه محملة بالهدايا، في موكب عظيم، وجاءته بهدايا من الأحجار الكريمة وخشب الصندل وغيرها لا مثيل لها في العالم. وهنا ن
"فأتت إلى أورشليم بموكب عظيم جدًا،
بجِمال حاملة أطيابًا وذهبًا كثيرًا جدًا وحجارة كريمة،
وأتت إلى سليمان، وكلمته بكل ما كان بقلبها"
"وطعام مائدته ومجلس عبيده وموقف خدَّامه وملابسهم وسُقاته ومحرقاته التي كان يصعدها في بيت الرب،
لم يبقَ فيها روح بعد.
فقالت للملك: صحيحًا كان الخبر الذي سمعته في أرضي عن أمورك وعن حكمتك.
ولم أصدِّق الأخبار حتى جئت وأبصرت عيناي،
فهو ذا النصف لم أُخبر به،
زدت حكمة وصلاحًا على الخبر الذي سمعته"
"وأعطى الملك سليمان لملكة سبأ كل مشتهاها الذي طلبت،
عدا ما أعطاها إيَّاه حسب كرم الملك سليمان.
فانصرفت وذهبت إلى أرضها هي وعبيدها
وفي سفر الملوك أيضا / من وحي 1 ملوك 10
لألتقي بك مع ملكة سبأ!
*     سارت ملكة سبأ بموكب عظيم إلى أورشليم.
جِمالها تحمل أطيابًا فائقة، وذهبًا كثيرًا جدًا، وحجارة كريمة.
لأتقدَّم معها إليك.
اعبر بموكب الحب متَّجها نحو أورشليم العليا.
أقدِّم لك مع المريمات طيبًا فريدًا.
واحمل إليك ذهبي وحجارتي الثمينة.
مما لك أقدِّم لك يا واهب كل العطايا.
*     بُهرت ملكة سبأ بشخص سليمان،
وسُبيت بحكمته وكل ما هو حوله.
وأنت أعظم من سليمان.
أقدِّم كل ما لدى واسمع صوتك.
أترك كل عرشٍ أرضيٍ واجلس عند قدميك.
اطلب الاتِّحاد بك والشركة معك.
*     أعطيك ممَّا لك بغير حساب،
وأنت تعطيني مشتهي قلبي،
تهبني ذاتك، فإن كل شيء لي 
    وجاءت قصة سليمان في التوراة في سفر الملوك كاملة مترابطة زمنيًا من البداية للنهاية متناقضة في حيثياتها، حيث تذكر التوراة أنها زارت النبي سليمان في فلسطين، وقدمت له هدايا ثمينة، ولا يذكر القرآن الكريم لها اسماً. قال الله تعالى: " وجئتك من سبأٍ بنبأٍ يقين) قوله سبحانه (إني وجدت امرأةً تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرشٌ عظيم) ".
   أما المصادر العربية الأساسية، في قصة هذه الملكة، فتذكرها بالاسم بلقيس، خاصة كتاب(التيجان) لابن هشام (توفي عام 218هـ، الموافق 834 ميلادي). وكتاب(الإكليل) للهمداني (أبو محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب بن يوسف بن داود بن سليمان الأرحبي البكيلي الهمداني (280-بعد 336هـ) من أعظم جغرافيي جزيرة العرب في عصره، وكان شاعرا كذلك، وله إحاطة بعلوم الفلك والحكمة والفلسفة والكيمياء. سجن في أخريات حياته، وكان من أهم ما كتب الجوهرتين العتيقتين. قضى بعد السجن عام 334هـ.)، و(القصيدة الحميرية) لنشوان الحميري (توفي عام (573هـ‍ الموافق   1178 م)، اذ يقول:
أم أينَ بلقيسُ المعظَّمُ عرشُهُا        أو صرحُهُا العالي على الأضراحِ
      ان تولي (الملكة بلقيس) الملك بإرادة الشعب، وبالجدارة والكفاءة والانتخاب وليس بالوراثة؟ انما هو برهان على رفعة شأن المرأة الأردنية، في تلك العصور، حيث (أنها خلصت شعبها من الحكم الجائر (ابن عمها الملك الذي استولى على العرش بانقلاب عليها وعلى اختيار الشعب لها أي رفض نتائج الانتخابات) ومن التهديد القادم (تهديد الملك سليمان).
    وفي قصة انتصارها على الانقلابين والخطرين، ووصولها للعرش، إدانة لكل من يصل موقع المسؤولية خارج إرادة الشعب، فالشرعية وتجسيد إرادة الشعب تعطي القوة لمن يصل عبر الانتخاب. وحيث انها عربية أردنية مسلمة فان الموقف التوراتي الحاقد المتجني، يربط أصل (الملكة بلقيس) بالشيطان ويجعل لها حافر حمار ويفصل بين النظام الاجتماعي وبين عالم الأنس. 
      إن شمس هذه الملكة العظيمة , ما تزال مشرقة وستبقى الى يوم القيامة , وان اسلامها وحكمتها ورجاحة عقلها قد اضافت الى شخصيتها صفات لم توجد في ملكة من قبلها ومن بعدها ولا في زمنها , برغم ما قامت به قوى الضلال والتضليل العالمية , وأتباعها من المستشرقين وتلامذتهم  والسياسيين الزائفين ( الذين يسؤهم أن تكون أردنية), من تزوير ونهب لكل أثارها ونقوشها , والسعي المستمر لطمس كل اثر لها- في خضم أكبر مشروع لتزوير تاريخ الأردن القديم والحديث  في موطننا , ومحاولة المزورين , وسراق التاريخ والحاقدين,  ان يحولوا كل شيء بالأردن بأسمائهم , وان يكذبوا القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
   بل انه يتم تصوير الآيات الكريمة المتعلقة بالأردن، انها تتحدث عن بلد اخر، ومواقع أخرى، وشعوب وعشائر ليست اردنية، وفي سياستهم وممارساتهم وأكاذيبهم، يرون أن أي شيء يتحدث عن الأردن وأهلها عبر الأولين والاخرين انما هو مجرد أساطير الأولين.
-----------------
أما فى المنظور الإسلامي فقد ارتبطت بلقيس بالنبي سليمان عليه السلام ارتباطا وثيقا ففي خمس وعشرين آية قرآنية كريمة، قصت «سورة النمل» علينا نبأ سليمان عليه السلام الملك والنبي مع «الملكة بلقيس» ملكة سبأ. حيث بدأت بدعوته إياها -وشعبها -إلى عبادة الله تعالى وحده، والتوقف عن عبادة الشمس، وانتهت بإعلانها إسلامها لله رب العالمين.
    حاولت بلقيس فى البداية استخدام دهائها فى إثناء سليمان عن دعوته ببعض الهدايا التي رفضها، وسخر منها، وخاطب موفد بلقيس بما حكاه القرآن الكريم: (قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِى اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ). وبعدم ترحاب سليمان بالهدية على نحو ما قصه القران الكريم وربما كان ذلك فى البداية على عكس ما توقعته بلقيس تأكد لبلقيس أنها أمام «نبي» يدعو إلى عبادة الله تعالى وحده، ولا تغريه الهدايا وبهارج الدنيا، ولا يؤثر فيه المال، فتحولت بشعبها من السجود للشمس إلى عبادة الله تعالى وحده.
وقد احتوت التوراة على تفاصيل أكثر إيضاحا عن هذه الهدية حيث كانت قافلة على ظهور الجمال من الطيب والأحجار الكريمة والبخور وخشب الصندل مما لم تشهد أورشليم مثله من قبل ومن النتائج التي أعقبت هذه الزيارة حسبما جاء فى العهد القديم دخول مملكة سليمان عصرا من الازدهار والثراء.
    كما اتخذ سليمان عرشه من العاج وأغشاه بالذهب وجعل آنية الشرب كلها من الذهب وصارت ملوك الأرض كلها تأتيه من كل حدب وصوب ملتمسة حكمته وعلمه والحقيقة أن فهم النص القرآني فى ضوء ما ساقته التوراة يحمل لنا معنى هاما ربما لم يخطر ببال المؤرخين الإسلاميين الذين اعتمدوا الاسرائيليات الكاذبة بدون تمحيص، والتي وضعت قصصا وأساطير عن مملكة سليمان واتساعها وسطوته على ملوك زمانه وهو ما يفتقر إلى أى دليل تاريخي ولا برهان عقلي او نقلي مقنع.
    والحقيقة التاريخية وليست الأوهام الإسرائيلية , أن مملكة سليمان كانت مملكة متواضعة على جزء من ارض فلسطين وليس على فلسطين كلها , وان قوته كانت بنبوته وليس بمملكته , ولم تكن مملكته وملكه أبدا على هذا النحو من الأبهة والعظمة والاتساع الذي ادعته الاسرائيليات وتبناها المؤرخون العرب بدون تمحيص للأسف الشديد ,  وإلا لما فكرت ملكة سبأ أن تلهب مشاعر هذا الملك بكل هذا الكم من الهدايا إلا إذا كانت على ثقة من أن هذه الهدايا تحمل قدرا كبيرا من الإبهار والتفوق والتميز الكبير لمملكتها بالمقارنة بمملكة سليمان, وانها أرسلت ذلك من باب درء المفاسد أولى من جلب المنافع , وانها لا تريد ان تعرض مملكتها الى نبي مدعوم من الله سبحانه وتعالى .
    فهي قادرة على حماية بلادها من قوة أي ملك ولكنها عاجزة عن الدفاع عنها امام قدرة الله سبحانه وهذا ما يبدو لي انها أدركته بالهام ألهى ثم بحكمتها ورجاحة عقلها، قبل ان تتحرك باتجاهه 
والقول القرآني يحمل تكملة الصورة وأن معنى الملك الذي أوتيه سليمان ولم يؤت غيره لم يكن سوى رحمة ونعمة من الله سبحانه ثم لخصائص ومميزات فريدة فى شخص سليمان جعلته حاكما متميزا وحكيما فضلا عن مزايا أخرى كثيرة لم تتح لغيره منها أن سخر الله تعالى له الطير، وعلمه لغتها استجابة لدعائه عليه السلام: (رَبِّ هَبْ لي مُلْكًا لَا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) 
   وبالتالي فسليمان لم يكن له ملك مترامي الأطراف أو جيوش نظامية حقيقية جرارة تسد الآفاق وإلا لكان لهذا أثر فى الرسائل بين الملوك أو قيام حروب توسعية كان فيها سليمان طرفا منتصرا أو منهزما أو معاضدا، ولما احتاج فرعون مصر فى إخضاع جازر!!! ولكنه أي سليمان كان يدير مملكته الصغيرة عبر تحكمه فى قوى غيبية وروحية بحكم نبوته وليس بحكم عرشه الملكي، وبذلك فقد اخضع ممالك محليه بجواره دون الدخول فى حروب مباشرة كما أوتي ما هو أهم وهو الحكمة مما جعله قبلة للملوك فى عصره للتزود بالحكمة.