الاحتلال ليس واقعا افتراضيا في العراق - حامد الكيلاني

الاحتلال ليس واقعا افتراضيا في العراق - حامد الكيلاني

 أي مواطن عراقي لا يحتاج أن يقرأ بتأن وتأمل خارطة الأزمات والمشكلات والمصائب والحوادث الفردية والجماعية والظواهر التي ما عادت غريبة على مجتمعنا، ليكتشف الخلل أو التباين والتباعد بين الطبقة السياسية المشغولة بتقاسم نعمة السلطة وامتيازات أحزابها ومنابع تمويلها ومصادر تخطيطها وخوفها أيضا، وبين الشعب.

 
كل شيء متوفر في الأسواق السوداء مما لا تعثر عليه في الواجهات السياسية والدينية والقومية والإثنية، أو على مسافة من سلوكيات وخفايا مجتمع عصفت به الاحتياجات وغابت عنه مفاهيم التعليم والتربية والصحة وأبسط مقومات الحياة وأسباب البقاء؛ مقابل ما عصفت به من تخمة المال والطعام والشعور بالجاه والحماية المختلفة.
 
لا نبحث حتى عن أسباب وجذور الحالات الفردية للجرائم كحادثة اغتصاب الطفل اليتيم جعفر وقتله في حي القاهرة. الحي الذي أعرف تفاصيله وناسه وتنوعه كأنه عراق مصغر، وكيف كان خليطا سياسيا واجتماعيا وعرقيا ومذهبيا متجانسا أفرز لنا أشهر الأطباء وأعظمهم إنسانية وخرّج سياسيين كبارا ومناضلين أوفياء لبلادهم وبيئتهم ومنهم علماء ومفكرون وفنانون ورياضيون.
 
طيلة عقود لم تحدث في حي القاهرة جرائم أو اغتيالات رغم أنه كان يعج بالمتناقضات السياسية والانتماءات، كانت الجيرة والعيش المشترك يتغلبان على واجبات الأمن والمخابرات والتربص على شدة وقعها ونتائجها، إلى أن حدث الاحتلال وما تم التمهيد له من زمن الحصار.
 
اغتصاب طفل يتيم بعد خطفه وقتله، جريمة التقطها وزير الداخلية ليعلن بشخصه إلقاء القبض على الجاني ويتقرر إعدامه العلني في مكان الجريمة ليكون عبرة للآخرين؛ كم من حوادث الاغتصاب في بغداد والمدن العراقية الأخرى لأطفال ونساء؛ وحتى رجال في سجون الميليشيات والسجون الحكومية العنصرية.
 
بعد اغتصاب الوطن ما الذي يقال، إن عن مجريات سجون الاحتلال الأميركي وعمليات الاغتصاب الشهيرة في سجن أبوغريب وكيف كانت عمليات الاغتصاب تجري بمساعدة أفراد من ميليشيات طائفية أرادت أن تؤكد على مشروعها الخبيث بتسجيل جريمتها على أقراص مدمجة بيعت على أرصفة بغداد وبكميات كبيرة كما لو كانت أفلاما إباحية مع سنوات الاحتلال الأولى، أو عن أعداد الجرائم المماثلة في السجون الآن وكم عدد الجرائم العادية لاغتصاب الأطفال مع التحرش الجنسي في المدارس بدافع طائفي التي لا يتم الحديث عنها ويخشى المعلمون وإدارات المدارس التبليغ خوفا من الانتقام والمحاسبة.
 
لكنها ظواهر تتحول إلى لجوء وتهجير متعمد ومحاولة للتخلص من العيش في وطن تم فيه عزل الشعب عن السلطة التي فتكت بلامبالاتها بالاقتصاد والأمن والخدمات، وأنتجت صناعة جريمة إبادة جماعية لم ولن ينجو من آثارها أحد.
 
يعتقد بعضهم أو يظن أنه في مأمن لأنه يحظى بحصانة ما، أو لأنه يحاط بحمايات توفرها الأجهزة الأمنية أو ما هو أعلى منها ونقصد بها الميليشيات التي تتعالى على مقام الدولة؛ لكن أي دولة.
 
النساء في العراق، نصف المجتمع يتم التعامل معهن بنوع من التغييب القسري في القوانين والممارسات والاصطياد كأنهن طرائد قتل وتمييز عنصري أحيانا بدوافع نسائية سياسية؛ فالنقد العام لأي من سوءات الدولة أو الخروج على نصوص ولاية فقيهها، ربما بالنسبة للرجال له رد فعل على غير إيقاع عقوبة الموت لمن لا تنصاع من النساء لإرادات قابضة على المال والسلاح في دولة الموت والتخلف.
 
من يتصور أن لمصاصي الدماء في العراق فرعا في الجريمة، ومخدرات عابرة للحدود، وسجونا تغص بتجار الحبوب المخدرة ومتعاطيها، وما نحجبه أكثر وأكثر لنتفرغ إلى كرام أهلنا وخصالهم من الذين يقفون واجمين حتى أمام غياب البندورة وارتفاع أسعارها لأنهم لا يمتلكون سعر شرائها وهم يطلون على أطلال بيوتهم التي كانت عامرة، واليوم يرغمون على التوسل بمشاريع وهمية وعمل سياسي فاشل يسعى مريدوه إلى ترميم شخوصهم بطرح من يعتبرونهم البديل التعويضي لمزيد من الانتظار والصبر على اغتصاب الحقوق ممن كانوا خونة لأرضهم وحملوا السلاح ضد جنود بلادهم في الأهوار، وكانوا سببا في تمرير الإحداثيات للعدو لقصف ثكنات ومعسكرات جيش العراق بالمدفعية والصواريخ الإيرانية.
 
من أقدم على تلك الجرائم هل يبني العراق؟ ولماذا يتم تبييض الصفحات بالإخوانيات واستذكار محاسن عملاء الولايات المتحدة وإيران، الذين استنكفوا حتى من تقديم الاعتذار لشعب العراق عن جريمة الاحتلال التي ارتكبوها وستظل عائقا بينهم وبين أي نوع من أنواع المصالحة مع الشعب أو التغيير؟
 
العراق تحت حكم الأحزاب الطائفية والعملية السياسية أصبح قاعدة بيانات إجرامية من القمة إلى القاع، حيث هرم السلطة المتخلف والمليء بالتناقضات والتناحر المخزي على مغانم مائدة السلطة.
 
داعش والميليشيات ليسا على الباب، إنهما جزء من السلطة وجزء من بيئة العمل السياسي يغتصبان المدن ويفتكان بها بالتلوث والتصحر والعطش والجفاف والتملح والانحطاط الذي يحصد الآلاف بالأمراض والموت حسرة تحت الحاجة في معسكرات النزوح ومدن اللجوء والانتظار المذل.
 
من سيأتي إلى حكم العراق لن يكون إلا خادما مطيعا للمشروع الإيراني إن كان من التكنوقراط أو المستقلين أو من الأحزاب الطائفية ومحاور المتخاذلين، ومن هؤلاء من يريد أن يوصل لنا مبررات استسلامه للميليشيات تحت ذرائع حماية من تبقى من أهله وكرامتهم لإيجاد طريق لبناء المدن المدمرة وإزالة معسكرات الذل والخيانة في بلاد أصبح الاغتصاب فيها يستحق جائزة نوبل، بينما الذي تسبب بالاغتصاب الجماعي وهدر شرف العراقيات يتسابق لإبراز مفاتن الأحزاب الطائفية في طريقها لاستلام السلطة.
 
سلطة يرتفع صوتها مسبقا بمطاردة المفسدين والملطخة أياديهم بدماء العراق وغايات الاحتلال المزدوج في مصالحه وتخادمه بين من مازالوا يراوحون في خدمة سادتهم ويطلعون علينا بأوراق سياسية غير مفاجئة عند الحاجة لشخوص أكثر دهاء وخبرة تم إعدادهم وترويضهم بصبر ليوم الاحتيال الأكبر الذي يتجاوز احتيال الكتلة الأكبر التي لم يعد لها من معنى عند شعب العراق سوى أنها كتلة صخرية قاسية لأقلية فاسدة ارتضت أن تلعب دور الدولة المغفلة التي تضحي بكل شيء من أجل شعبها وسلامته في مزايدات الإعلام؛ أما في كواليس الرعب فإنها تستبيح أعراضه وأمواله وغده واستقراره وحقه في الحياة.
 
العراق لن ينهض ولو بمليارات مضافة من وارداته النفطية، حتى لو انقلبت الدنيا بالسياسيين وأصبحوا بين ليلة وضحاها ملائكة يخافون من الله وضمائرهم في شعبهم وأمتهم، لأنهم ببساطة بلا مقود وخارج السيطرة. إن ما أسس له الاحتلال خلال 15 سنة من الجرائم، لا يمكن إزالته أو تهديمه ولا بنصف قرن من غسل العار الذي ينبغي أن يبدأ بتربية أجيال جديدة تقوم على احترام مبادئ افتقدناها يوم تكالبت علينا قوى الاحتلال والنظم السياسية التي لا تعرف سوى مذلة تقبيل يد الآخرين التي تحمل مفاتيح الآخرة أو خزائن المال أو السلاح أو مفاتيح السجون.. هناك أيضا من يعيد إلى ذاكرتي دور الحبال واستخدامها المزدوج.