هل هي بداية انهيار الاتحاد الأوروبي؟

 هل هي بداية انهيار الاتحاد الأوروبي؟
الكاتب : محمد حطيني
يقال في الأمثال أن من الحبة تنشأ الشجرة وأن كل الحريق من مستصغر الشرر، وهذا يفسر أن الأمور بعظمها تنتج بداياتها عن مسببات قد تكون بسيطة، وقد تكون معقدة، وكبيرة، وربما ركيزة بانهيارها تؤدي إلى انهيارات أخرى عظيمة وأكثر تأثيرا بنتائجها ومخرجاتها.  هذا هو الاتحاد الأوروبي بقادته يصادق على خروج بريطانيا من الاتحاد الذي يضم سبعا وعشرين دولة خلاف بريطانيا.
 
بداية لا بد من الإشارة إلى عديد الأسباب التي حدت ببريطانيا إلى الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي والذي تمت الموافقة عليه بأغلبية مطلقة، بما في ذلك سكان جبل طارق التابعين لبريطانيا فيما خلا شئون الخارجية والدفاع التي تعتبر من مسئوليات الحكومة الإسبانية.  وبهذا فإن العلاقة بين إسبانيا وبريطانيا وعلاقة سكان الإقليم مع الدولتين سيكون فيصلا في استكمال الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي.
 
لقد كان طلب بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي نتاجا للعديد من العوامل والأسباب التي أدت لهذه المحصلة التي تضم بين طياتها الهجرة التي تواجهها بريطانيا من دول الاتحاد الأوروبي نفسه وهى من أهم أسباب التظلم البريطاني من أوروبا، فالأرقام الرسمية تشير إلى تدفق ما يقارب 286 ألف أوروبي سنويا إلى سوق العمل البريطانية بغية الاستفادة من نظام الإعانات الاجتماعية.  وهنا تجدر الإشارة إلى أن ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني السابق سعى إلى تعديل القواعد المرتبطة بالهجرة، لكنه كان يواجه برفض أوروبي صارم، لأن البند الذي يتضمن حرية انتقال الأفراد في اتفاقية شينغن يعتبر واحدًا من أهم بنود الاتحاد الأوروبي. من الأسباب الأخرى للخروج من الاتحاد أن بريطانيا كانت تتذمر من الرسوم الأوروبية، ذلك أن الاتحاد الأوروبي كغيره من المنظمات الأوروبية يفرض رسومًا على الدول التي تنطوي تحت لوائه كل منها بحسب قوتها الاقتصادية، بيد أن بريطانيا التي تعتمد سياسة تقشفية بسبب العجز في موازنتها تذمرت من الرسوم الأوروبية بسب العبء الكبير على خزانتها. الافتقار إلى الديمقراطية يعتبر سببا رئيسا للخروج من الاتحاد، فالبعض من البريطانيين، وهنا نتحدث عن الفئة التي صوتت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي يعتبرون أن نظام الاتحاد يفتقر إلى الديمقراطية التي تعتبر أساسا في النظام البريطاني، واستشهدوا على ذلك بالصلاحيات الواسعة للمفوضية الأوروبية غير المنتخبة التي يحق لها وضع مشاريع قوانين على البرلمان الأوروبي المنتخب مباشرة من الشعوب الأوروبية.
 
وعطفا على التحديات الجيوسياسية التي تحيط بالاتحاد الأوروبي، فقد تم طرح فكرة إنشاء قوة عسكرية موحدة ركز عليها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي دعا في تصريح لإذاعة أوروبا 1 إلى إنشاء ما وصفه بجيش أوروبي حقيقي للدفاع عن القارة التي قد تضطر لمواجهة قوى كبرى، مثل روسيا والصين وحتى الولايات المتحدة، وهذه وليست المرة الأولى التي يدعو فيها ماكرون إلى إنشاء قوات عسكرية أوروبية مشتركة للدفاع عن أوروبا، فقد تكررت هذه الدعوات منذ وصول الرئيس الأميركي، دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة الأمريكية قبل نحو عامين، ويرى ماكرون، أن على أوروبا أن تحد من اعتمادها على القوة الأميركية، خصوصا بعد قرار ترامب الانسحاب من اتفاق مشترك مع روسيا للحد من الأسلحة النووية، توصلت إليه كل من واشنطن وموسكو في ثمانينات القرن الماضي هذا بالإضافة إلى دعوة ترامب الدول الأوروبية في حلف الناتو إلى تحمل مزيد من الإنفاق وزيادة إسهاماتها في الحلف، لاسيما فيما يتعلق بالتصدي لروسيا وغيرها، وهذا ما اعتبرته بريطانيا نوعا من التهديد، وتأخذ بريطانيا في هذا الصدد أنها إلى جانب فرنسا أكبر قوتين عسكريتين في الحلف، ما يثير المخاوف بشأن الأعباء التي سيتحملانها بشريا وماديا.
 
إذن، يفقد الاتحاد الأوروبي، فيما إذا صادق البرلمان البريطاني على اتفاقية الخروج من الاتحاد أحد أهم أركانه. ولن تكون مهمة المصادقة من قبل البرلمان على الاتفاقية بالأمر بالسهل لرئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، عطفا على عدد النواب المعترضين على فحوى الاتفاقية. ويتوقع أن تستكمل بريطانيا خروجها من الاتحاد بتاريخ 29 مارس 2019.  فهل نشهد في ذلك الحين مفاجآت أخرى، تؤدي إلى مزيد من التفسخ في الاتحاد وانهياره، كما حصل مع الاتحاد السوفياتي سابقا؟ هنا تجدر الإشارة إلى ما صرح به الرئيس الفرنسي حيال وجوب إعادة تأسيس الاتحاد الأوروبي، وهي عبارة تحمل في طياتها الكثير.  الأيام قادمة، وقد تكشف عن أمور لم تكن في الحسبان.
 
 
كاتب ومحلل سياسي مستقل