الأزمة الليبية: تونس في مهب لعبة الأمم - أمين بن مسعود

الأزمة الليبية: تونس في مهب لعبة الأمم - أمين بن مسعود

 مأساة الدبلوماسية التونسية أن جوارها الشرقي والغربي يمثل العمق الاستراتيجي لقوى إقليمية كبرى، وأن عمقها الاستراتيجي يجسد خطوط الدفاع الأولى ضمن الأمن القومي لعواصم غربية مؤثرة، وأن أمنها القومي عبارة عن فضاء التوسع المباشر والناعم لإمبراطوريات قديمة وجديدة.

 
ولأن من طبيعة الجغرافيا السياسية أن تُطوّع لفائدة الأدوار المباشرة والاستراتيجيات الكبرى، فمن الطبيعي للغاية أن تجد تونس نفسها على هامش السياسات المؤثرة والفاعلة، ضمن جغرافيا الجوار.
 
صحيح أن تونس تحافظ، تقريبا، على ذات المسافة من كافة الفاعلين المحليين والخارجيين في ليبيا، وصحيح أيضا أن غالبية الليبيين يجدون في تونس الفضاء الأنسب للتحاور والتفاوض، ولكنّ الأصح أن هذه المسلكية على وجاهتها ومنطقها أيضا فإنها تجعل من تونس متأثرة وغير مؤثرة ومنفعلة وغير فاعلة، بالنظر إلى حجم التدافع الحاصل على الجغرافيا الليبية.
 
اليوم تقف تونس تقريبا وحيدة في موقعها حيال الوضع في ليبيا، فيما بات المشهد العسكري وتبعاته السياسية يتجاوزها بأميال كثيرة.
 
فلا الجيش الليبي تحت قيادة المشير خليفة حفتر، ولا العواصم الإقليمية التي تدعمه بالخطاب والموقف في مجلس الأمن بالذات، ولا قوات المجلس الرئاسي بميليشياتها وجسمها السياسي ولا العواصم الإقليمية التي تسندها بالإعلام والمال والسلاح، تنظر إلى المسألة الليبية بنفس منظور الدولة التونسية.
 
ليبيا بالنسبة للفاعلين الإقليميين والدوليين جزء من الكل الاستراتيجي، تزيد قيمتها وتنقص وفق توازن القوى ضمن لعبة الأمم، وليبيا بالنسبة لتونس هي الكل الذي لا يقبل التجزئة، حيث التلازمية والسببية المالية والاقتصادية والأمنية بين البلدين.
 
على مدى الخط الاستراتيجي الرابط بين طرابلس والخرطوم ودمشق، تُراقب أنقرة تقلبات المشهد السياسي والعسكري، فتُركيا التي تكاد تخسر رهانها على احتلال الشمال السوري وفق إحياء معاهدة لوزان، والتي تراجعت بعد خروج عمر حسن البشير من الحكم في السودان وإمكانية فقدان وجودها في جزيرة سواكن، تضع بيضها العسكري والسياسي وراء الإخوان و”إخوان الإخوان” في حرب طرابلس.
 
وعلى طول الخط الاستراتيجي الرابط بين طرابلس والخرطوم وصنعاء، ترى الرياض والقاهرة ومعهما أبوظبي، أنّ وصول مجلس عسكري انتقالي إلى الخرطوم يريد القطع مع سياسة الرقص على حبال العواصم الإقليمية، مع اقتراب الجيش الليبي من العاصمة طرابلس، فرصة سانحة لتقليص النفوذ القطري التركي من البحر الأحمر إلى صحراء الجزائر.
 
وهُنا تتقاطع المقاربة المصرية والسعودية والإماراتية مع الرؤية الأميركية للأوضاع في طرابلس، سيما وأن العلاقات الأميركية- التركية تمر حاليا بواحدة من أصعب المراحل السياسية والعسكرية بما يفتح المجال أمام فرضيات إخراج تركيا من حلف شمال الأطلسي.
 
أمّا فرنسا، فهي لا تُخفي دعمها للمشير حفتر من زاوية أن الأخير يمثل حجر الأساس لمشروعها العسكري في منطقة الساحل الأفريقي، حيث تحارب قواتها ميليشيات إرهابية تجد من الجنوب الليبي الخزان الاستراتيجي للتهريب والإرهاب.
 
في المقابل، تريد روما خراج البترول لشركاتها الكبرى، وحكومة في الغرب تحول دون قوافل المهاجرين غير الشرعيين، وتسعى إلى مكاسرة سياسية واقتصادية مع فرنسا، خارج حدود أوروبا وفي قلب شمال أفريقيا.
 
أمّا موسكو، فهي تبني حضورها الاستراتيجي في البحر المتوسط، سواء عند السواحل السورية أو في الجغرافيا الليبية والجزائرية، كما تنتظر حصتها من مشاريع إعادة الإعمار، عبر التعويل على حلفائها في الشرق ومن خلال سردية البراءة من مسؤولية إسقاط ليبيا في وحل التدخل العسكري الدولي.
 
حيال هذه التقاطعات والمفارقات والحسابات، أين تقف تونس وما هي الخيارات والبدائل، وما هي الإمكانيات المتوفرة للتدخّل أو للتأثير في حال ابتغت الانخراط في المشهد؟
 
اللقاءات التي عقدها مؤخرا الرئيس الباجي قائد السبسي مع ممثلين عن المجلس الرئاسي الليبي، والمكالمة الهاتفية مع المشير خليفة حفتر، والاتصالات الدبلوماسية مع المبعوث الأممي غسان سلامة، إضافة إلى الزيارة التي يؤديها وفد من الكونغرس الأميركي إلى تونس، تشير كلّها إلى أن تونس تريد اللحاق بالمشهد المتطور باطراد، والحيلولة دون وصوله إلى مرحلة اللاعودة بين الفرقاء.
 
تعتبر الدبلوماسية التونسية أن سيطرة حفتر على طرابلس، قد تكون نهاية الميليشيات في العاصمة ولكنها بالتأكيد ستكون شرارة الاحتراب على كافة الجغرافيا، سيما في محاور مصراتة وبعض الجيوب في الجنوب والغرب، ذلك أنه ليس من الضرورة أن كل من يسيطر على طرابلس يحكم ليبيا.
 
تسعى تونس إلى تجنّب سيناريو الحسم العسكري في طرابلس، وتجنيب البلاد ما تعتبره سيناريو الصوملة، مع إعادة الحياة إلى مسار غسان سلامة الذي ترى فيه طوق النجاة الوحيد لليبيا.
 
المُفارقة أنّ المسارات الأممية سواء في سوريا أو في اليمن أو في ليبيا، لم تنجح لا في صناعة التسوية ولا في تحجيم الميليشيات وتقوية السلطة ولا في منع الاحتراب.
 
المُتابع للجزء المنشور من خطاب قائد السبسي أمام المشرعين الأميركيين، يُدرك حجم الأزمة التي تعيشها الدولة التونسية، فلا هي قادرة على جمع الليبيين على طاولة نقاش واحدة، ولا باستطاعتها أن تؤثر على خليفة حفتر لإيقاف تقدم قواته إلى طرابلس، ولا بمقدورها أن تُغلق حدودها على المهاجرين واللاجئين الذين باتوا يتقاطرون عليها، ولا بوسعها أن تجمع العواصم الكبرى المؤثرة في الداخل الليبي على كلمة واحدة.
 
لن نشكك في قيمة “الحياد الإيجابي” كمفهوم دبلوماسي تونسي بامتياز، في المحافظة على المصالح الوطنية، في حال تلازم مع محافظة الدولة على زمام المبادرة في الملف وعلى قوة التأثير على الجميع وعلى جزء من منظومة المشهدية، أما أن يكون الحياد مع ملف يُؤثر في العمق ويستهدف الداخل وفي يد فاعلين من خارج الإقليم، فلن يكون سوى استقالة دبلوماسية تحت عنوان الحياد.