الرزاز يدق المسمار الأخير في نعش حكومته

 الرزاز يدق المسمار الأخير في نعش حكومته
الكاتب : أ. د. محمد تركي بني سلامة
استفز رئيس الوزراء عمر الرزاز الشعب الأردني بكافة فئاته الاجتماعية   وأطيافه السياسية ، عبر التعديل الوزاري الهزيل الذي أجراه على حكومته ألبائسة ، هذا التعديل لم يكن إلا حلقة جديدة من حلقات مسلسل طويل من الاستخفاف بالشعب الأردني،  وكذلك الاستهتار بحقوقه ، والعبث بدستوره ، حيث نجد اليوم في الأردن وزراء بلا وزارات، ووزارات بلا وزراء،  ويستمر مسلسل الرزاز في عرض وتقديم مصطلحات ومفاهيم لا يدرك الرزاز نفسه مفاهيمها وسياقاتها التاريخية ، وظروفها الموضوعية، مثل الإدارة المحلية والريادة والاقتصاد الرقمي والنهضة والثورة الصناعية الرابعة وغيرها من مفاهيم غامضة، وبلا جدوى أو مضمون،  ولا تندرج تحت باب الإصلاح أو التحديث أو التغيير،  واعتقد أن الرزاز في هذا المشهد يقف على رأسه بدلا من قدميه ، ويرى الأشياء بالمقلوب ،  وربما يرى الأردن الآن محاذيا  لليابان أو ألمانيا أو بين الصين وكوريا الجنوبية ، فعلى الرزاز أن يقف على أقدامه ليرى الواقع على حقيقته،  فلا معنى للحديث عن اقتصاد رقمي و ريادة وإدارة محلية في ظل ما يعانيه الناس من فقر مدقع،  وبطالة،  واختفاء الطبقة الوسطى، و غياب العدالة في توزيع الثروة   مما ادى الى تفاقم الهوة بين الأغنياء والفقراء ،  ومشاكل اقتصاديه واجتماعيه لا حصر لها،  ومهما تشدق الرزاز بمفاهيم ومصطلحات جديدة،  وتغنى بمصالح البلاد والعباد،  إلا انه ل  لم يدخل فيه تعديله إلا أصحاب المصالح الخاصة في تكريس لنهج اختلاط الوزارة بالتجارة ، لحماية  مصالح  ومكتسبات القلة الحاكمة وربما زيادتها ، فالتنظيم الفعلي للنظام السياسي الاردني تنظيم قلة، او تنظيم  قلة سلطوية ، لا تملك أي تصور او رؤية لإدارة الدولة او تحقيق التنمية او احداث الاصلاح المنشود، وتبذل كل ما في وسعها  لعدم تمكين المواطن  من اداء أي دور فعال  في الحياة السياسية والاقتصادية، ويترافق مع كل ذلك التغييب المستمر للمصالح الوطنية العليا، وغياب الشفافية ، والمساءلة ، والرقابة، وحكم القانون ، ونتساءل عن اسباب  التوتر والاحتقان ، و انتشار الفساد والافتقار الى اليات جادة لمكافحته ؟    .
   
لقد دق الرزاز المسمار الأخير في نعش حكومته التي بدا العد التنازلي لرحيلها، وربما قبل عيد الفطر السعيد،  ورب ضارة نافعة، فقد أعطى هذا التعديل دفعة قوية وزخم كبير للحراك  الشعبي في البلاد،  وما شهدته ساحة الاعتصام قرب الدوار الرابع مساء أول خميس في رمضان خير دليل على ذلك حيث زاد عدد المعتصمين  وارتفع سقف الهتاف،  و زاد عزم وتصميم الحراكيين على ضرورة تغيير النهج ، وإيجاد  بديل للسياسات العرجاء التي اتبعت  على مدى عقدين من الزمان وكانت نتائجها وخيمة على كافة الصعد والمستويات .
 
 الأردن اليوم على فوهة  بركان ، تنذر بعواقب وخيمة ، وأخطار محدقة ،  ومحطات تفصل بين  أن يكون أو لا يكون،  نحن نراها قادمة ولا نتمناها،  وهو بحاجه إلى حكومة إنقاذ وطني قادرة على إعادة ترتيب البيت الأردني وتحصينه لمواجهة الاستحقاقات ألمستقبلية ، حكومة قادرة على كسب الثقة ، وتبديد العتمة ، وإنارة الطريق، استعادة الوطن السليب،  وإنقاذه سواء من براثن صفقة القرن او  الفوضى والضياع.
 
 حكومة إنقاذ وطني بحجم تحديات ألمرحلة  ولديها رؤية ورسالة ، وتسعى إلى إحداث انفراج سياسي كامل يؤدي الى  تعزيز الحريات ، وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية ، واحترام الحقوق وتجسيد مبدأ تلازم المسؤولية  والمساءلة ، فهذه الرؤية  تحيي وتميت ،  وهي تمثل خط دفاع صلب أمام كل التحديات التي يواجهها الأردن اليوم.
 
 كان أمام الرزاز الفرصة الأخيرة لحفظ ماء الوجه قبيل التعديل الوزاري الأخير،  بالاستقالة والانسحاب بهدوء من المشهد السياسي،  فهو يعلم جيدا انه ليس برجل المرحلة،  وانه اضعف بكثير من مواجهه التحديات وامتلاك الولاية العامة،  الرزاز اخفق بشكل دراماتيكي وللمرة الثالثة في التعديل الوزاري، وقدم تجربة فريدة في استمرار الفشل في استثمار الفرصة،  وهذا يعود نتيجة انعزاله عن الواقع،  ولا مبالاته بما يقوله الناس .
 
 ان بقاء الرزاز في السلطة أصبح مكلفا جدا،  فالاحتقان الشعبي والتوتر والفوضى وغيرها من المخاسر، تفوق بكثير مكاسب بقاء حكومة الرزاز، ولا خيار أمام الرزاز إلا الغروب عن المشهد ، حتى يتنفس الناس الصعداء ، ويشعروا انهم بدأوا رحلة استعاده الوطن السليب ، وأنهم بدأوا يشاركوا في صنع القرارات التي تمس حياتهم ومستقبل أجيالهم ، بعد عقود من تهميشهم واستبعادهم ، وبنفس الوقت الافتئات على دستورهم ، واستباحة حقوقهم ومقدرات وطنهم   . 
 
 لقد وصل الرزاز الى رئاسة الحكومة قبل عام، اثر انتفاضة شعبية اطاحت بحكومة سلفه هاني الملقي ، وكانت لحظة تاريخية فارقة كان بإمكانه ان يستثمرها ويلتحق بنادي الرؤساء المميزين امثال احمد عبيدات وعون الخصاونة  ، و كانت تلك  الفترة فرصة ذهبية لإحداث إصلاح سياسي حقيقي،  إلا انه اثر البقاء في السلطة وتجنب مواجهه متطلبات المرحلة،  فألقى بنفسه في هاوية الفشل، وعصف بكل ما تبقى من ارث  ورصيد لمنيف ومؤنس الرزاز،  في رحلة كانت مليئة بالأزمات وضياع البوصلة وفقدان الرؤية.
 
 أخيرا،  اننا لا نملك ان نلتزم الصمت أمام ما يجري في ربوع الوطن ،  ولا نستطيع الابتعاد عن الأحداث، إلا إذا كان المطلوب هو استفزاز الشعب ليخرج عن بكرة أبيه لحسم الموقف ومنع الانهيار،  لذلك نسال الرزاز الرحيل ، ونطلب منه ان يستجيب لصوت الشعب ، ، وان يرحل غير مأسوف على تجربته الفاشلة ،  و قبل فوات الأوان، فهل يفعلها ويتصرف لمرة واحدة كرجل دولة ، ربما   .
 
 أستاذ العلوم السياسية في جامعه اليرموك
 خبير دولي في الديمقراطية