تصورات المشهد الإيراني قُبيل إعلان صفقة القرن

تصورات المشهد الإيراني قُبيل إعلان صفقة القرن
الكاتب : د. حسين البناء

بدايةً، قد يبدو الربط بين (السيناريوهات المفتوحة أمام مواجهة إيران للغرب و الولايات المتحدة من جهة، و اقتراب موعد الإعلان عن صفقة القرن رسميًا من طرف الإدارة الأمريكية)من جهة أخرى أمرًا مُستغربًا، لكن الحقيقة العملانية تفيد بأنه لا بد من (تنظيف الطاولة) الشرق أوسطية من اللاعبين الإقليميين قبل الشروع بتصفية مستعجلة و متصهينة للقضية الفلسطينية، و بكلمة أوضح، يتوجب تحييد القوى التقليدية المؤثرة في المنطقة و التي يُتوقع تدخلها في الشأن الفلسطيني في إطار تسويات كبرى كصفقة القرن، و تحديدًا الخماسية التأسيسية التأريخية للمنطقة، مصر و سوريا و العراق و إيران و تركيا.

 
الجميع يعلم ما آلت له الأمور في مصر و سوريا و العراق، وكيف تم تحييد القدرة على الفعل لثالوث العروبة التقليدي أمام تقدم قوى طارئة و متصهينة في المنطقة. ولم يتبق في الساحة حاليًا سوى اللاعب الإقليمي التركي و الإيراني، الذان يلتقيان على ملف (كردستان) و يختلفات على باقي القضايا، الخبر الجيد هو أنهما كقوى (إسلامية) تقليدية ورثا خلافة العثمانيين و الصفويين، لا ينبغي لهما إلا التنافر مع معطيات المشروع الصهيوني، و برغم مستوى البراغماتية المرتفع لكليهما فإن الموقف من الحل النهائي بشأن فلسطين يبقى حرجًا و يستعصي على الحسم.
 
القرار الأمريكي بتصفير صادرات النفط الأمريكية مقرونًا بحشد قطع حربية استراتيجية في الخليج لا يبشر بأي خير، فقد تم دفع النظام الإيراني للزاوية الحرجة التي لا يمكن الخروج منها إلا في إطار سيناريوهات بالغة الخطورة و التبعات: سيناريو الحرب، و سيناريو الثورة الشعبية، و سيناريو إعادة صياغة الاتفاق النووي.
 
سيناريو الحرب: لا توجد أية قوة عسكرية حاليًا قادرة على مواجهة الجيش الأمريكي بصيغته النظامية، و الأمريكان يمتلكون من القدرات الحربية ما لا يصح مقارنته مع القدرات الإيرانية بأي شكل، و إذا ما وقعت المواجهة فإنه من الوارد أن يتم تدمير آلاف المواقع الحساسة عسكريًا في إيران، والذي قد يشل العمود الفقري للقدرة العسكرية و السياسية لطهران، في المقابل تستطيع إيران إمطار إسرائيل بصواريخ بالستية و التنسيق مع حزب الله لإرباك كل منظومات الدفاع الإسرائيلية في مواجهة آلاف الصوايخ و المقذوفات من الجنوب اللبناني و غزة التي قد تشتبك فيها حماس أيضًا في أتون المعركة، وقد تلقي زوارق الاستشهاديين الإيرانيين عشرات الألغام البحرية في الخليج لتعطيل جميع أشكال الملاحة الناقلة للنفط لعدة شهور لاحقة. في الحقيقة هذا سيناريو مدمر و غير متوقع أن تتطور الأمور لذلك الحد.
 
سيناريو الثورة الداخلية: تُعَوّل أجهزة الاستخبارات الأمريكية على خروج ثورة شعبية عارمة في الداخل الإيراني على وقع الانهيار الاقتصادي الناتج عن توقف الصادرات و تراجع احتياطي العملة الصعبة و التضخم الهائل للأسعار و انهيار سعر صرف الريال. يبدو هذا واقعيًا في حال تمكن الأمريكان من وقف صادرات النفط لأكثر من ثلاثة شهور، ووقتها سيتضرر كامل فئات الشعب الإيراني موالاة و معارضة و عسكريين و مدنيين، و قد يحدث انقلابًا عسكريًا ينهي الأزمة أو ربما حربًا أهلية و قمعًا دمويًا للمنتفضين. قد يبدو هذا واقعيًا و لكنه يشترط قدرة الأمريكان على التصفير للصادرات بشكلٍ كامل و بدون تفلتات لبعض الدول غير المتعاونة.
 
سيناريو السلام: على الأرجح سوف تخضع إيران للضغوطات الهائلة و أن تذعن للرغبة الأمريكية و الأوروبية في إعادة صياغة الاتفاق النووي أو ربما المعاهدة الدولية النووية مع إيران بشكلٍ يطمئن إسرائيل و متصهيني العالم بأن ثمة قنبلة نووية لن تصنع على عتبات المشروع النووي الإيراني.
هذا السيناريو يبدو الأكثر رجاحةً و الأعلى احتماليةً للوقوع.
 
تبقى تركيا في المشهد، ربما تتكفل الانتخابات بتراجع المشروع الأردوغاني و تقديم القوى المتصالحة مع الغرب و إسرائيل و التي قد لا يضيرها عقديًا أية ترتيبات صهيونية للمنطقة.