حول فاعلية الاحتجاج السلمي في السودان والجزائر - محمد شومان

حول فاعلية الاحتجاج السلمي في السودان والجزائر - محمد شومان

يعتمد الحراك الشعبي في كل من السودان والجزائر، على أساليب متنوعة من الاحتجاج السلمي الرافض لممارسة العنف. وهو، من دون شك، ممارسة أخلاقية مطلوبة، حفظت للانتفاضتين حتى اليوم قوة دفع كبيرة، ومنعت في الوقت ذاته نظامي البلدين من استعمال العنف الممنهج على نطاق واسع ضد المحتجين. وفي المجمل، أدى هذا الوضع إلى عدم حدوث انشقاقات في صفوف الجيش، كما أبعد شبح الدخول في نفق حرب أهلية كالتي تعانيها ليبيا وسورية.

 
 
هكذا، ابتعدت الدولة في الجزائر والسودان، كما ابتعد المحتجون عن استخدام العنف، على رغم وجود اختلافات عميقة بين الطرفين وعدم التوصل إلى تفاهمات أو خريطة طريق للتغيير. وأعتقد أن ما يدور في كلا البلدين، يقدم صورة إيجابية عامة عن إمكان التغيير من دون اللجوء للعنف والانزلاق إلى حروب أهلية تدمر مقومات الدولة الوطنية. ويستخدم هذا السيناريو الكارثي في دول عربية عدة، كفزاعة ضد أي محاولة للتظاهر أو طرح مطالب إصلاحية عامة أو فئوية. كما يستخدم للتضييق على المجال العام تحت دعوى أولوية الحفاظ على الاستقرار ومحاربة الإرهاب وتحقيق التنمية.
 
ومهما كانت نتائج ما يمكن تسميته "الربيع العربي الثاني المعدل" وتداعياته، فإن ما يجري في السودان والجزائر، صحح كثيراً من الأحكام والصور النمطية عن فوضى الاحتجاجات في المجتمعات العربية ومخاطرها. وأكد أن الشعوب العربية والحكومات، استوعبت دروس "الربيع العربي" الأول وتعلمت منها، كما أكد ضرورة الإصلاح السياسي والاجتماعي، وضرورات تجديد النخبة وعدم الاستسلام للهدوء الظاهري في بعض المجتمعات، نتيجة القمع وكبت الحريات، لأن الاستقرار لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تفعيل آليات للمشاركة السياسية ومحاربة الفساد، وضمان الحد الأدنى من الحريات والحقوق الاجتماعية.
 
إن الالتزام باللاعنف في الصراع الدائر في السودان والجزائر، يعيد طرح النقاش من جديد، حول مدى فاعلية الاحتجاج السلمي في إحداث التغيير والتحول الديموقراطي. وفي هذا السياق، صدرت آلاف الكتب والبحوث حول منهجية الاحتجاج السلمي وأدوات الصراع اللاعنفي ومدى قدرتها على تحقيق أهداف المحتجين عبر التاريخ، لكن البداية الحقيقية لهذه النوعية من الدراسات، ارتبطت بقيادة غاندي حركة استقلال الهند عن بريطانيا، واستمرت هذه الحركة من العام 1919 حتى العام 1948، واستحوذت على الاهتمام الدولي، لأن غاندي كان أول من استخدم تقنيات المقاومة المدنية لشن حرب في سبيل الاستقلال في مواجهة القوة العسكرية والاقتصادية الهائلة لبريطانيا العظمى. وشجع ذلك على إصدار عدد كبير من الدراسات التي أوضحت الفلسفة والاستراتيجيا الغاندية، وكان من أوائل الكتب، دراسة كلارنس كيس (Clarence Case) في عام 1923 حول الآليات الأخلاقية والنفسية في كفاح الزعيم الهندي.
 
بعدها، اختار ريتشارد غريغ تجربة غاندي في كتابة "قوة اللاعنف" في عام 1935، وصاغ فيه مصطلح "جيو جيتسو الأخلاقي" لشرح القدرة التحويلية للمعاناة. وأشار إلى أن المهاجمين يفقدون التوازن الأخلاقي إذا كانوا يهاجمون المدنيين الذين يرفضون الانتقام، بينما يعمل المقاومون المدنيون من خلال المعاناة الطوعية في سبيل قضيتهم، ومن دون التعبير عن الكراهية أو الضرب، على إثارة الشعور بالعار لدى مهاجميهم!
 
وتواصلت بحوث ودراسات اللاعنف إلى أن اتخذت في السبعينات طابعاً جديداً أكثر براغماتية، فلم تعد تركز كثيراً على الأبعاد الاخلاقية أو الفلسفية وتحولت إلى نهج عملي على يد جين شارب الذي روّج لأشكال من اللاعنف في كتابه "سياسة العمل اللاعنفي" المكون من ثلاثة مجلدات.
 
أدرك شارب أن أخلاقيات اللاعنف الغاندي، كانت عقبات أمام الكثيرين، فدعا إلى نموذج عملي، ورأى أن استراتيجيات اللاعنف، هي ببساطة أكثر فعالية من العنف. وقال إن العنف ليس ضرورياً إذا أدرك المواطنون الأشكال المختلفة للقوة التي يمتلكونها، مثل قدرتهم على رفض التعاون، وسحب مهاراتهم وعملهم، ومواردهم المادية. ومن خلال حجب مصادر القوة هذه بصورة تدريجية ومنهجية، واقترح تدريب الناس وتنظيمهم على ممارسة الأشكال المختلفة من العصيان المدني والاحتجاجات السلمية.
 
وتعتبر دراسة الباحثتين الأميركيتين إريكا شينويث وماريا ستيفانErica) Chenoweth and Maria j. Stephan) التي صدرت في عام 2010 تحت عنوان: "لماذا تعمل المقاومة السلمية: المنطق الاستراتيجي للكفاح السلمي"، أول وأهم دراسة موسعة تعتمد على أدوات التحليل الكمي والإحصاءات في اختبار مدى فاعلية حركات الاحتجاج السلمي عبر العالم. استندت الدراسة المذكورة على قاعدة بيانات تضم 323 حملة لمقاومة الأنظمة أو لدعم الانفصال، وقعت بين الأعوام 1900 و 2006. وتضمنت قاعدة البيانات، على سبيل المثال، "ثورة أكتوبر" (1944) في غواتيمالا، و"تمرد النجا" في عام 1955 في الهند، و"حملة باث لاو" بين 1960 و1975 في كمبوديا، و"ثورة القرنفل" في عام 1974 في البرتغال. وشملت قاعدة البيانات جميع أنواع المعلومات، مثل: المواقع، والأبطال الرئيسيين، ومدة الفترة الزمنية لكل حملة، والحد الأقصى لعدد المشاركين، والأساليب المستخدمة، والنتائج.
 
ولعل أهم ما توصلت إليه الدراسة، هو أن الحملات اللاعنفية من المرجح أن تنجح أكثر من الحملات العنيفة. إذ نجحت الحملات اللاعنفية بنسبة 53 في المئة، مقارنة بنسبة نجاح بلغت 26 في المئة عند استخدام العنف. وكانت الأساليب غير العنيفة ناجحة بنفس القدر في الأنظمة الديموقراطية وفي الديكتاتوريات القمعية. ويظهر التحليل أيضاً أن أشكال الصراع غير العنيفة، من المرجح أن تؤدي إلى تغييرات اجتماعية وسياسية، تسفر عن مجتمعات أكثر حرية وديموقراطية. والغريب أن الدراسة خلصت إلى أن قوة النظام تحدث فرقاً بسيطاً في نجاح المقاومة، ما يعني أن المقاومة المدنية تعمل ضد حتى أكثر الأنظمة قمعية، ولديها فرصة للنجاح أكبر بكثير من المقاومة المسلحة. وترى الباحثتان أن الأفكار تلعب دوراً مهماً، لكن الدور الأكثر أهمية يرتبط بمدى فاعلية الأساليب والاستراتيجيات التي يستخدمها المشاركون في الحملات أو الحركات الاجتماعية. والمدهش أيضاً، أن الدراسة انتهت إلى أن ظروفاً مثل مستوى القمع الحكومي، لا تحدث فرقاً كبيراً في النتائج، لأن النجاح يعتمد بشكل أكبر على ما يفعله النشطاء! وتقدم الدراسة أربع دراسات حالة مفصلة: الثورة الإيرانية (1977-1979)، أول انتفاضة فلسطينية (1987-1993)، و"حركة سلطة الشعب" (1983-1986) في الفيليبين، والانتفاضة البورمية (1988-1990).
 
بناء على ما تقدم، ما أهم الدروس التي يمكن أن يستفيد منها الناشطون؟ الدرس الأول والأهم هو أن الكفاح المسلح ليس خياراً واعداً. بل هو أقل احتمالا للنجاح. وعندما ينجح، فمن المرجح أن يؤدي إلى مجتمع أقل حرية واحتمالاً أكبر للعودة إلى الحرب الأهلية. إن مزج الكفاح المسلح والمقاومة المدنية، ليس فكرة جيدة أو مقبولة. ومن الناحية الإحصائية، لابد من التخلي عن أي مقاومة مسلحة والاعتماد بالكامل على الأساليب غير العنيفة. "إن التزام الحملة بالأساليب اللاعنفية يعزز شرعيتها المحلية والدولية ويشجع على زيادة المشاركة على نطاق واسع في المقاومة، وهو ما يترجم إلى زيادة الضغط على الهدف... وفي حين تبرر الحكومات بسهولة الهجمات المضادة العنيفة ضد المتمردين المسلحين، من المرجح أن يؤدي عنف النظام ضد الحركات اللاعنفية إلى نتائج عكسية ضد النظام ... ".
 
أما الدرس الثاني، فهو ضرورة ضمان أكبر مشاركة من المواطنين خلال الاعتصامات وحركات الاحتجاج والمقاطعة العامة، لأن المشاركة هي عامل رئيس في النجاح. وتؤكد الباحثتان أن المشاركة أمر حاسم، لأن المقاومة تبني روابط مع عدد أكبر من الناس مع احتمال التسبب في حدوث تحولات في ولاء قوات الأمن، تدفعهم للتعاطف مع المعارضين للحكومة. والمثير أن الباحثتين افترضتا أنه بمجرد أن يصل عدد المشاركين إلى 3.5 في المئة من إجمالي عدد السكان، فإن نجاح الثورة يتحقق لا محالة. وتؤكدان إن ما من ثورة استقطبت في عنفوانها هذه النسبة من السكان، إلا ونجحت في تحقيق أهدافها، ويطلق على هذه الظاهرة "قاعدة 3.5 في المئة". لكني أعتقد شخصياً أنها نسبة محدودة للغاية! والكارثة أنها قد تبرر ظهور حكم أو هيمنة الأقلية. علماً أن هذه القاعدة الغريبة، تعرضت لانتقادات واسعة، لاسيما أنها لم تضمن نجاح انتفاضات "الربيع العربي" التي شاركت فيها نسب من السكان تفوق ذلك.
 
ويتعلق الدرس الثالث بضرورة ابتكار خطط واستراتيجيات جديدة لممارسة الاحتجاج، وأن تكون تلك الأدوات جديدة ومرنة وقادرة على الصمود في وجه القمع. وبالتالي، فإن إدارة حملة من مقر مركزي، بآيديولوجيا ثابتة، ليس نهجاً واعداً. ذلك أن من الضروري وجود مشاركة واسعة وتشجيع التجريب والتنوع. أما الدرس الرابع والأخير، فهو أنه كلما زاد فهم الناس لديناميكيات العمل اللاعنفي، وتعلموا التفكير بشكل استراتيجي، زاد احتمال قيام الحملة بتطوير القدرة على البقاء، والابتكار الاستراتيجي، والمرونة لتحقيق النجاح.
 
الدروس والاستنتاجات السابقة، تعرضت لانتقادات نظرية ومنهجية مهمة، إذ أنها لم تتوقع مدى تأثير مشاركة الشباب والاعتماد بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي، في ما يعرف بثورات "الربيع العربي". ويبدو أن مسارات "الانتفاضات" العربية بين العامين 2010 – 2012 جاءت بنتائج متناقضة وغريبة عن كل ما جاء في توصيات ودروس الكتاب، إذ بدأت الاحتجاجات سلمية في سورية وليبيا، ثم تحولت إلى العنف خاصة مع الانشقاقات في القوات المسلحة، وانفجار الأوضاع الطائفية والجهوية والانزلاق الي الحرب الأهلية. وبشكل عام، فإن الاعتماد على المنهج الكمي الإحصائي، أثار مشكلات مهمة في شأن تقدير دور العوامل الثقافية، وبشكل خاص الدين، وتأثير التدخلات الإقليمية والدولية. لكن الأهم، هو معايير الحكم على حملة ما بأنها نجحت أو فشلت في تحقيق أهدافها، لأن بعض الحملات تنجح جزئيا أو تفشل في تحقيق أهدافها لكنها تحقق إصلاحات محدودة. وكثيراً ما تؤدي حملات المقاومة المدنية إلى حال من الجمود الجزئي، عندما تتعثر المفاوضات أو يفشل الأطراف في التوصل إلى تفاهمات كما يجري حاليا في السودان .
 
أخيراً، فإن بعض حركات المقاومة السلمية قد تمهد لوقوع انقلابات عسكرية (نموذج فيتنام في عام 1963)، وربما تبدأ حملة المقاومة المدنية استجابة فعالة لانقلاب عسكري. وفي حالات أخرى، يمكن أن تنجح الحملة في تحقيق هدفها النهائي، عندما يكون هناك واقع معين، أو تهديد بانقلاب عسكري لإحداث التغيير المنشود.