وهم - د. ميسون حنا

وهم - د. ميسون حنا
الإنسان بطبيعته يرفض الموت، في الحقيقة إن معركتنا مع الموت معركة خاسرة ، فالموت حقيقة لا حياد عنها ، ولكننا بلا وعينا نحارب الموت فنتمسك بالبعيد الموغل بالقدم ... نعشق الآثار ونسعى لاكتشاف حقيقة الماضي ، ونبحث وننقب ... هذه كلها إشارات نتحدى بها الموت . 
 
الإنسان بعد موته يتحول إلى ذكرى سرعان ما تخبو وتندثر ما لم يدعمها بعمل يخلده ، فكانت الآثار أو فن العمارة الذي أبدعه الأسبقون وتحول إلى آثار في عصرنا الحالي ، هذه الآثار تقف شامخة لتقول لنا ها نحن قوم نبقى بينكم برغم عظمة الموت الذي غيّبنا ، لكننا أصررنا على البقاء ، فها نحن نتحداه ، أما حياتنا القصيرة التي اغتصبها الموت ما هي إلاّ وهم وضلال .
 
وعندما نسمع همسات الأقدمين وهم يخاطبوننا من خلال آثارهم نتأثر بهم ونقر أنهم امتداد لحياة ما بعد الموت ، فإبداعهم يشهد لهم ويبقى موتهم شاهدا على حياة زائفة أعلنت بطلان زيفها بعد الموت عندما أطلّت علينا ببصمات خالدة ، ونحن أبناء هذا العصر نعشق الآثارلنعبر عن رفضنا للموت ونقول نحن امتداد لتلك الأقوام التي شيدت هذا الفن الخالد .
 
إذن عشقنا للآثار هو تحد للموت وتمسك بالأبدية والخلود ، ولكن الإنسان في عصرنا الحالي وأخص وطننا العربي وفي العالم الثالث عموما لا يُترك له المجال ليبدع ، فالإحتلال والحروب وضنك العيش والاضطهاد الذي نعيشه يقف حائلا أمامنا ولا يترك لنا الوقت والطاقة للإبداع ، فنشأ بيننا إبداع جديد ، فنحن نبدع في الفتك ببعضنا ، ونقتتل فيما بيننا .
 
تبقى الطبقة المسحوقة التي تفنى وهي تلهث خلف لقمة العيش ، نحن نعيش حياة مهمشة زائفة . الإنسان في عالمنا العربي غريق يتعلق بقشة ، وقشتنا تلك الآثار الموغلة في القدم ، نعشقها ونعشق وهمنا إذ نتمسك بعشقنا هذا ، ولا يبقى بعد موتنا إلا أبناء يذرفون الدموع .