الأدب في عهد مهدبات الهدب - د. انتصار الزيود

 الأدب في عهد مهدبات الهدب - د. انتصار الزيود

07-09-2019 09:09 PM

بأيديهن المباركة غزلن خيوطاً تسللت من بين طياتها قصائد تنبض بالحكمة والموعظة الحسنة، كأنها رسول يأخذ بيد أتباعه إلى طريق النور، أو معلماً يسكن على ضفاف نهر عذب يسقي طلابه سر الحياة وأسباب الوجود، إنهن الجدات اللواتي يجتمعن في حلقات وهن يهدبن الشماغ الأحمر وحولهن الأطفال الذين ينصتون لهن ويرقصون على أنغام ترويداتهن الغنية بالمعاني الطيبة والخصال الحميدة التي تستلهم ألحانها من أبجديات العلم والأدب في ذلك العهد.
 
كانت تلك الحلقات بحق مؤسسة تعلميمة مستوفية الأركان، تحوي نسيج مزج بين العلم والتربية التي تطلق العنان للفكر والخيال أن يخوض في خبرة مباشرة من خلال الاحتكاك بالطبيعة الصلبة ويتعلم منها كل ألوان المعرفة التي تشكلت بمباركة الأجداد الذين ميزوا الخبيث من الطيب،وجعلت من جيل الزمن الجميل فرساناً للحق والعدل، فغزلن مهدبات الهدب بفكرهن جندياً وهب نفسه للوطن وخدمة أهله بكل ما تحمله معاني الجندية من رجولة وأمانة واخلاص، فكان زمن الفرسان، وغزلن بفكرهن وأدبهن معلماً علم طلابه نشيد النور وكان شعارهم: أرى علمي، أرى وطني، أرى الدنيا بمدرستي، فكان زمن العلم والفرسان، وغزلن بفكرهن صبايا متوجاتب الأدب وحرائر لا يقبلن الظيم، ديدنهن العفة والحشمة وخصال الأدب، فكان زمن العلم والفرسان والحرائر النشميات.
 
ربما يقول البعض أن سحر مهدبات الهدب اعتراها: لا انكر ذلك السحر والشوق لذلك العهد، بل نحتاج جميعاً أن ترمي أحداهن علينا تعويذة قوية تعيدنا إلى صوابنا وتخلصنا من الوهم الذي يسمى مواكبة الحياة العصرية بكافة صورها، والدخول إلى الحضارة من كل الأبواب مهما كان خلفها من ثقافات مختلفة لا تتوائم مع ما أنسناه من فكر وثقافة تناسب طبيعة موقعنا الذي وجدنا فيه، وشرقيتنا بتحفظها ووسطيتها في التعاطي مع الفكر المحدث، هذا الوهم همش تعاليم مهدبات الهدب ووضعها في خانة الفكر الرجعي، فصنعنا غربالاً بعدهن ثقوبه واسعة أسقطت الكثير من قيمنا وعاداتنا الحسنة، وأبدلنا ذالك المغزل المتين وأصبح نسيجنا ضعيفاً يفككه أي فكر دخيل.
 
نحتاج الآن إلى تنقية الفكر من التداخلات التي أوقعت الجيل في متاهة وحيرة ما بين القدامة والحداثة وإشكاليات التنقل إلى عصر جديد بفكر سليم ومتوازن يحافظ على القيم الجمالية للإرث الثقافي والأخلاقي بطابع حضاري وعصري لا ينتقص من قيمنا التي تربينا عليها ولا يخل بموازين الأدب والأخلاق من أجل فرصة خائبة للتجديد من الممكن أن تسقط انسانيتنا برمتها، ونخسر الرهان في الحفاظ على ما نسجته مهدبات الهدب من إرث زاخر بالعلم والأدب الذي لا يمكن أن نجده في جامعات العصر الحديث بصورته ونسخته الأصلية، وهكذا حدثتني خلال لقائي بها ذات العصبة المخملية.
 


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

زيارة وزراء النقل للخط الحجازي تعزز التعاون الإقليمي وإحياء الإرث السككي

تراجع تخليص المركبات بنسبة 80% يثير جدلاً نيابياً

مذكرة تفاهم لتطوير النقل المدرسي في جنوب الأردن

تقدّم في مفاوضات واشنطن وطهران رغم تهديدات ترامب

البنك الدولي: حرب الشرق الأوسط سترفع التضخم وتقلص النمو

إسرائيل تصدر تحذيرا للسفن بين صور ورأس الناقورة في لبنان

اتفاق مبدئي بين نقابة الصحفيين وإدارة 3 صحف على زيادة علاوة المهنة

محفظة Orange Money الأردن تطلق عروضاً مميزة للحوالات الدولية إلى مصر

كتائب حزب الله العراقية: سنفرج عن الصحفية الأميركية شيلي كيتلسون

أشغال مأدبا تحيل عطاء الطريق الملوكي بقيمة 720 ألف دينار

4.5 مليون دينار قيمة خطة الإقراض الزراعي في المفرق

بارلاسور: المغرب جسر نحو العالم العربي وإفريقيا

العيسوي ينقل تعازي الملك وولي العهد إلى عشيرة العميان

جامعة العلوم والتكنولوجيا تعزز التعاون مع مديرية الأمن العام

البحرين: إغلاق مضيق هرمز يهدد حياة ملايين البشر