خربشات حياة فائضة - د. صلاح داود

 خربشات حياة فائضة - د. صلاح داود
فلسفة التغيير
تمضي الحياة بسرعة كمضي ساعة مليئة بالسعادة، أو كسرعة انقشاع الضباب في ليلة جليدية، كنظرة خاطفة أو ككلمة شوق ومحبة، مليئة بالاختبارات والكلمات.. كلمات شفاء وتشجيع وتغيير وأخرى مليئة بمرض عضال اسمه " ما في وقت".
 
الاختبار الأهم في حياتك مدته لا تزيد عن عدة دقائق ولكن أثره ممتد، وفي ذروته تبدأ باسترجاع ذاكرتك لتبحث عن إجابات لتلك الأسئلة الكثيرة في حياتك المكتظة، تستجيب لك الذكريات فتشاهد أولئك الأشخاص الذين لا تكاد تعرفهم، بأقنعة وألسنة كالمناقير وأذرع كالعناكب.
 
حياة مكتظة كشبكة العنكبوت، بدأت بخيط رفيع جدا، وخطوة فخطوة لنبني حياتنا على شكل شبكة إذا استطاع أحد اختراقها سيدمرها وينهيها بلمحة بصر، أو ربما يعلق فيها فنستعد لإعداد الوليمة.
 
حيات فائضة أو مكتظة.. متسارعة كتسارع دقات قلب عاشق عند رؤيته لمعشوقته.. تنظرإلى العالم من حولك تجده يركض إلى الوراء.. فيه كل شيء لن يدوم إلا قليلا.. نتساءل أين هي الكلمات التي لم نقلها وما هي الأفعال التي لم نقم بها إلى الآن.
 
أين هي تلك الحياة التي لا نهاية لها.. مليئة بالهدوء والمحبة؟ أهي نفسها الحياة التي نعيشها الآن؟ أم هي ذلك القطار " قطار العمر" الذي لا نكاد نلمح ركابه عندما مر من أمام أعيننا؟ هل سيصل إلى المحطة التالية؟ أم سيجنح عن السكة؟
 
جلس مطولا وبشكل مسرف، تفكر في أن يغير شيئا في حياته.. فلم يجد شيئا يستطيع أن يغيره سوى العنوان.. فكتبه مقلوبا ومات في مكانه متصالحا مع سريره فلم يجد أحدا ليحتضنه سواه.
 
كم مرة كنا على وشك الوقوع أو التعثر؟ يدي بيدها.. عندما تَعثرتُ سندتني، فساعدتها على التماسك في تلك الحياة.. تحدثنا كثيرا عن الحب وعن الحرب عندما توقفنا معا في نفس المكان.. ثم انصرفنا معا متكئين على عكاز واحد.
 
في حياة متقلبة، صدفة وجدت نفسي في المقبرة أدفن جزءا مني.. لم ألتق بها كثيرا ولكنني كنت أزورها في كل عيد لتجبرني على تناول الكعك والقهوة.. لا أذكر منها سوى كلمة " كل سنة وانتو سالمين".. لم أزرها هذا العيد.
 
في زحمة الحياة والعمل.. لم أجد في الحياة فكرة لأكتب عنها، فكتبت اسمي على ورقة بيضاء.. توفي بتاريخ ويوم.. وسنة البداية وعام النهاية، لم أستطع تحديد المكان.. فتركته لأحدهم ليكمله لاحقا.
 
أكبر رجل في العائلة.. بلغ الثامنة والسبعين من عمره، سأله حفيده كم عمرك يا جدي.. اضطر أن يعيد السؤال مرارا وتكرارا.. ظن الحفيد أن جده أصابه الصمم ولم يعلم أنه قد أصابه الموت.. قال لأمه جدي لا يسمع وهو نائم.. لم يستطع التفريق بين الموت والنوم.
 
تعثرت ذاكرته عندما حاول أن يتذكر أين رأى ذلك الوجه.. وجهه مجعد وعيناه حمراوان تذكر أنه كان تلميذه الذي علمه في الصف الأول قبل 55 عاما، ولكن اسمه ما زال غائبا.. عاش بضعة أيام بعدها ولم نعرف اسمه للآن.