انتفاضة لبنان والقيم الجديدة - د.شفيق ناظم الغبرا

انتفاضة لبنان والقيم الجديدة -  د.شفيق ناظم الغبرا

 جاءت مع انتفاضة لبنان المبدعة المنطلقة في 17 تشرين الأول/اكتوبر 2019 قيم كثيرة، أولها إعادة تأكيد بأن الشعوب العربية من العراق للبنان ومن الجزائر للسودان وغيرها من الدول قد تغيرت، وأن الجيل الجديد من الشبان والشابات العرب يسعون لتغيير الوضع الراهن بوسائل سلمية بهدف بناء دول مساءلة ومجتمعات قادرة على المراقبة. ما يقع في لبنان تفاعل حي ومبدع مع الإقليم العربي وهو في مجمله امتداد لحالة القهر والظلم الجالس على كاهل الشعوب العربية.

إن المعادلة العربية حتى الآن، مع استثناءات في المجتمعات القليلة السكان الكثيرة الثروات، تقوم على التالي: حالة فساد وضعف أمام الخارج، قمع واحتكار للإعلام وطائفية ومحاصصة بين سياسيين، اقتصاد سائر نحو الموت السريري، مياه ملوثة وخدمات مقطوعة وتعليم منفصل عن الواقع. وما استمرار هذه المعادلات السلبية سوى دعوة دائمة للثورات والانتفاضات، وهو الأساس الذي سبب الربيع العربي الذي بدأ في تونس وامتد لمصر وسوريا وليبيا واليمن والبحرين. إن الدول التي تبدو مستقرة الآن بسبب التوسع في السجون والقمع والإخفاء القسري والأحكام القاسية سوف تجد نفسها وسط مجتمعات غاضبة قابلة للثورة.
لقد بدأت انتفاضة لبنان عندما وقعت حرائق كبرى في غابات لبنان، ونتج عن الحرائق الكشف عن ضعف الدولة في التعامل مع انتشارها. لكن الدولة فرضت بعد ذلك ضرائب جديدة (ضريبة على الواتساب)، وهذا ما حرك الناس، وكأن ضريبة الواتساب كانت القشة التي هزت البنيان وسط مجتمع يعاني من أزمة المعيشة والبطالة وانهيار العملة. لقد أدت هذه الأحداث لتفجير بركان كامن.
الدولة في لبنان كالدولة في عموم الإقليم العربي وخاصة في الدول التي تتحرك شعوبها وترتفع الأصوات في نقد سياساتها تركز على مواجهة الوضع من خلال سلب جيوب المواطنين. تلك الدول لا تبني اقتصادا منتجا بقدر بنائها لاقتصاد محتكر لمجموعة من الشخصيات السياسية. بسبب هذا ازدادت الهوة بين الأغنياء والفقراء وتضخمت أزمة العدالة الاجتماعية والفساد في عموم الوطن العربي. إن فرض ضرائب في إطار اقتصاد فاسد لا يمكن أن يلتقيا. الشعوب تريد أن تكون سيدة نفسها أمام توحش النخب.
 
الدول التي تبدو مستقرة الآن بسبب التوسع في السجون والقمع والإخفاء القسري والأحكام القاسية سوف تجد نفسها وسط مجتمعات غاضبة قابلة للثورة
 
إن حجم التغير في لبنان بسبب هذه الانتفاضة الكبرى لا يمكن التقليل منه أو تجاوز قيمته الراهنة والمقبلة، فهناك تصاعد لفكر لبناني يخاطب فكرا عربيا جديدا يحمل عمقا اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا عابرا للطوائف وللجماعات. الفكر الجديد ناقد للنخب بسبب الفساد وبسب ضعف الإنجاز وتقاسم السلطة، بل يهدف الفكر الجديد للوصول لدولة مساءلة واقتصاد تنموي منتج، وهذا غير ممكن بلا عدالة اجتماعية تقوم على فصل حقيقي للسلطات في ظل ضمانات دستورية وقانونية تضمن حرية التعبير وحرية المجتمع المدني.
في ظل هذه الشحنة العاطفية نحو التغير وفي ظل الوعي النامي يتحول الحراك اللبناني لقوة نقد ومطالبة بمعادلات جديدة. لكن تحدي المعادلة اللبنانية الراهنة لا يعني نسفها بالكامل، فهناك ثوابت في البنية اللبنانية لازالت محط إجماع اللبنانيين. ومن ثوابت المرحلة أن جنوب لبنان على سبيل المثال، حيث الثقل الشيعي في لبنان، يقع على الحدود مع الصهيونية والصراع العربي الإسرائيلي. لكن الصراع مع الصهيونية لم ينته حتى الآن. لهذا فالواقع اللبناني يجيز وجود جيش وطني لبناني يجمع عليه اللبنانيون وحيش لحزب الله محط إجماع إن ركز بصورة أكبر على حماية الجنوب وعدم السماح لإسرائيل بالاعتداء على لبنان أو احتلال أي من أراضيه. يمكن القول في جانب آخر إن هذا قد يشكل شكلا من أشكال التفاهم الإقليمي الذي يصعب تجاوزه. هذه معادلات ليست ثابته وهي متحولة، لكنها في الوقت نفسه قائمة في عمق الوضع والتعامل معها يتطلب حنكة وبراغماتية. إن استمرار هذه المعادلة يتطلب شروطا إضافية وأهمها أن لا يهيمن حزب الله على الحياة السياسية في لبنان وأن دوره الراهن بصفته دولة عميقة في لبنان يجب أن يتغير أو يتحدد في ظل معادلة جديدة للإصلاح.
إذن بين الجيشين (حزب الله من جهة والجيش الوطني اللبناني من جهة أخرى) نظام سياسي لبناني يمكن أن يتغير وأن يشهد إصلاحات جادة، بل بإمكان حزب الله وبإمكان النظام السياسي الراهن أن لا يقفا في طريق هذه التعديلات الضرورية وإلا خسرا من رصيدهما الكثير. وهناك في الوقت ذاته نقد كبير في الوسط الشيعي لرئيس مجلس النواب نبيه بري ولحركة أمل وهذه ظاهرة جديدة، ففي كل طائفة بدأت الأصوات ترتفع نقدا للقادة ولسلوكهم الاقتصادي واحتكار بعضهم للأراضي. في لبنان معادلات ناشئة وعودة للوطنية اللبنانية، لكن النكهة عربية وعالمية وشبابية وسلمية ومتربطة بالحق بالحياة والعدالة.
إن الانتفاضة اللبنانية في مرحلتها الأولى مليئة بالزخم، هذا حال كل الحركات الكبرى، فهي تحتوي على شحن عاطفية لا تكاد تتوقف. لكن هناك لحظة تحول نحو العقلانية والتأطير. الفرز العقلي سيسهم بتنظيم المتظاهرين وذلك من خلال بروز قادة جدد وتشبيك عابر لكل الفئات. ستبرز حتما تيارات سياسية واجتماعية جديدة عابرة للطوائف. هذه تطورات قد تدفع نحو الهدنة والتهدئة وإعطاء فرص للناس لاستعادة أنفاسها ومزاولة أعمالها. إن لبنان مقبل على تشكيلات جديدة وحركات سياسية اجتماعية رقابية تفرض نفسها على الدولة والحكومة ومجلس النواب. وما استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري إلا مقدمة لما هو مقبل، فلبنان يتطلب من جهة انتخابات جديدة، لكنه يحتاج لتعديلات تصيب جوهر النظام الانتخابي وجوهر المحاصصة الطائفية الراهنة والاقتصاد المشلول. سيبقى الهدف الأساسي انتشال المواطن من بؤسه وتحويله لمصدر السلطة وانتشال الدولة من انهيارها.