بين يدى صفقة القرن.. نحن موضوع الصراع - هشام الحمامي

بين يدى صفقة القرن.. نحن موضوع الصراع - هشام الحمامي

 في قصة الجرذ والسنور في "كليلة ودمنة" التي كتبها الفيلسوف الهندي بيدبا.. يقول الجرذ للسنور: من كان أصل أمره عداوة جوهرية.. ثم أحدث صداقة لحاجة حملته على ذلك.. فإنه إذا زالت الحاجة التي حملته على ذلك.. زالت صداقته.. فتحولت عداوة.. وصار إلى أصل أمره.. كالماء الذي يسخن بالنار.. فإذا رفع عنها عاد بارداً. الفيلسوف بيديا قال هذا الكلام من 1700 سنة تقريبا..

 
هذه الأيام يتم التجهيز على قدم وساق لإخراج الصيغة النهائية لصفقة القرن التي تتناول الصراع العربى الإسرائيلي والذي تحول عبر سنين التحلل والتيه إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
 
جريدة جيروزاليم بوست أطلقت على الصفقة يوم الأربعاء الماضي (22 كانون الثاني/ يناير) "هدية القرن" لنتنياهو، لأنه من المفترض أن يصوت الكنيست الثلاثاء القادم (28 كانون الثاني/ يناير) على طلب نتنياهو بالحصانة من المحاكمة في اتهامه بالرشوة والاحتيال وانتهاك الثقة.
 
محتال يساعد محتال.. ذلك أن ترمب وكما ذكر في إحدى نوبات التغريد التي تنتابه.. "تتطلع الولايات المتحدة إلى استقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس تحالف أبيض- أزرق بيني جانتس في البيت الأبيض الأسبوع المقبل. التقارير حول تفاصيل خطتنا للسلام التي نبقيها طي الكتمان، وتوقيت الإعلان عنها ليست إلا مجرد تكهنات"..
 
خطة سلام لصراع بهذا الحجم وهذا الزمن تتم في الخفاء وفي الغرف المظلمة وفي طى الكتمان.. أنت أمام عصابة إذن تعمل في الخفاء.. وليس أمام دول وزعماء ورجال دولة كما يقول لنا التاريخ.
 
الموقف رغم خطورته طريف.. ترامب متهم بخيانة بلاده وتعريض أمنها القومى للخطر، وصاحب تاريخ طويل في الكذب والاحتيال.. سيستقبل نتنياهو المتهم بالرشوة والاحتيال وعلى عجل ليساعده في الهروب من المحاكمة لارتكابه جرائم دنيئة.. وكل ذلك على مائدة الشرق العربي وموضوعه فلسطين والقدس.. المؤكد أن الإقليم العربي على علم بتفاصيل ما يتم الإعداد له، وأتصور أن الجميع يستعد للتعامل مع هذه المهزلة الرخيصة التي يرتب لها حفنة من "المراخيص" مع الاعتذار للغة العربية.
 
سيكون مهما بل وحتميا في مثل هذه الأجواء أن نتذكر بديهيات وحقائق التاريخ والجغرافيا، وكذلك الفارق الكبير بين ما هو عابر وعارض وبين ما هو جوهري ودائم..
 
* * *
 
بديهة البديهيات وحقيقة الحقائق هي أن قصة وجود إسرائيل من الأساس ليس المقصود بها فلسطين الأرض والشعب (وإن كانوا هم من تعرض للاغتصاب والاحتلال)، لكن المقصود الحقيقي والنهائي هي مصر.. بتهديدها وإضعافها، وكما يقول المستشار طارق البشري في دراسته بالغة الأهمية "محاولة لفهم الواقع و الحاضر": "نحن لا نتنازع مع العدوان الإسرائيلي/ الغربي حول أرض غريبة يطمع فيها كلانا.. بمعنى أننا لسنا طرفا في صراع بين "متنازعين"، ولكننا نحن "موضوع الصراع" ذاته.. نحن موضوعه وأحد طرفيه في ذات الوقت.. وهذا الوضع يعطينا مزية لا تكون لغيرنا قط.. وهي مزية لا ينفد معينها، وما من بلد غلبه المعتدون على أمره وانتهى جهاده ضدهم إلا برد الاعتداء" (انتهى كلام الحكيم البشري).
 
لن نستطيع أن نتجاهل أن ما يجري الآن في الشرق الأوسط ما هو إلا امتداد تاريخي للحروب الصليبية (1096م-1291م) في حملاتها الثمانية.. والتي خرج منها الغرب بعقيدة استراتيجية ثابتة في صراعه مع الشرق.. ماذا تقول هذه العقيدة؟ تقول بوضوح شديد: إن مفتاح الشرق هو مصر.. وقد ثبتت صحة هذه العقيدة ثباتا يقينيا.
 
وبعد انتهاء الغرب من حسم موقفه من الكنيسة وبدأ رحلة النهوض عاد وعاود حملاته الصليبية، وكانت مصر هي البداية والنهاية.. وها هو نابليون الفرنسي (1798-1801) ثم فريزر الإنجليزي (1807م) بعد حكم محمد علي بعامين.. ثم حملة (1882م) والتي احتلت بها إنجلترا مصر ما يقرب من قرن.
 
خلال التواجد الغربي في المنطقة أيقن دهاقنة الساسة وخاصة الإنجليز؛ أنه لا بد من إشغال مصر دائما بعامل مهدد، يربض لها على الحدود، يفصلها عن امتدادها الاستراتيجي وحدود أمنها القومي (بلاد الشام)، ويمنع تقدمها ونهوضها.
 
وافق ذلك كراهية تاريخية ليهود أوروبا التي بالغت في تحقيرهم وإذلالهم (شايلوك نموذجا في تاجر البندقية/ شكسبير نموذجا).. فكانت فكرة "الدولة الوظيفية" التي تحدث عنها العلامة عبد الوهاب المسيرى.. وكانت إسرائيل.
 
إسرائيل إذن عدو استراتيجي ونهائي لمصر.. وإسرائيل العدو الأول لمصر.. والعقيدة القتالية لجيش مصر العظيم تعي هذه الحقيقة المطلقة وعيا كاملا. وما كان لإسرائيل أن تكون.. وما كان لها أن تتغول وتتظلل بمظلة أمريكا وأوروبا إلا لضبط وحفظ معادلة "اليقين التاريخي" من ضرورة عزل مصر وتهديد مصر.
 
من ينسى حطين 1187م وكانت قاعدة انطلاقها مصر.. من ينسى عين جالوت 1260م وكانت قاعدة انطلاقها مصر.. من ينسى التوحد الأوروبي الكامل بين إنجلترا وروسيا وبروسيا والنمسا في معاهده 1840م، مع ما كان بينها من صراع وتنافس لإذلال محمد علي وإضعافه ومحاصرته في حدوده.. من ينسى 1967 (هزيمة كل يوم).. من ينسى كامب ديفيد (مصر المعزولة).
 
أختم بما قاله العلامة العبقرى جمال حمدان عن هذا الصراع وأبعاده وحقيقته.. فيقول: "مصر بالذات محكوم عليها بالعروبة.. ولكن أيضاً بتحرير فلسطين وإلا فبالإعدام.. فمصر لا تستطيع أن تنسحب من عروبتها حتى لو أرادت.. وهي إذا نكصت عن استرداد فلسطين العربية كاملة من البحر إلى النهر وهادنت وخانت وحكمت عليها بالضياع.. فقد حكمت أيضاً على نفسها بالإعدام.. بالانتحار.. وسوف تخسر نفسها ورصيدها.. الماضي والمستقبل والتاريخ و الجغرافيا.. إن مصير مصر ومكانتها في العالم سيحدده مصيرها ومكانتها في العالم العربي.. ومصيرها ومكانتها في العالم العربي سيحدده مصير فلسطين.. الاختبار النهائي لزعامة مصر يرفد من أن ترتقي إلى مسؤوليتها عن استرداد فلسطين للعرب..".
 
انتهى كلام العلامة جمال حمدان في نظرته لمصر العظيمة العبقرية.

أكثر الأخبار قراءة