البحث عن البسمة

الكاتب : ابراهيم محمود ابو عجمية
ارتسمت روح العصر بقلقها وعدم استقرارها على وجوه الناس حتى أصبحت ترى هذه الوجوه أينما ذهبت وتوجّهت جامدة مكدورة فإذا ما صدف وفاجأك وجه باسم اعترتك الدهشة وأخذت تتساءل بعمق من أين له هذا ؟
قال صاحبي في معرض حديثه لي : أصبحت أبحث كالمحموم عن ضحكة تغسل قلبي وتجلي صدري من هموم العالم ومن همومي .. بحثت في الصحف ، في المجلات ، في كل الإصدارات الحديثة دون جدوى ولكنني لم أيأس .. بعد بحث طويل اهتديت إلى ينبوع من الضحك لا ينضب هذا الينبوع لا يدغدغ الحواس ولكن يدغدغ الروح والقلب .
 
ملت إليه بكلّيتي وسألت بلهفة : وأين وجدت هذا ؟ قال : أصغ إليّ في جميع كتب التراث نجد أن المؤلفين الكبار يخصصون فصلا أو فصلين أو بابا أو بابين للفكاهة والمرح وذلك للتسرية عن القاريء خشية أن يتسرّب السأم والملل إليه وآخر ما وقع في يدي منها كتاب البيان والتبيين للجاحظ والجاحظ يحسن كل شيء بشهادة الجميع ، تركت ما كتب عن البلاغة والبيان والشعر والرسائل والوصايا والمحاورات والخطابة لأنها بمجملها أمور جادّة وتناولت ما كتب عن الحمقى واستمع ما علق بذهني من قصصهم :
 
صعد عدي بن أرطاة على المنبر فلما رأى جموع الناس حصر فقال :
 
الحمد لله الذي يطعم هؤلاء ويسقيهم . وقيل لوازع اليشكري قم فاصعد المنبر وتكلم .. فلما رأى جمع الناس قال :
 
لولا أن امرأتي حملتني على إتيان الجمعة ما جمّعت ، وأنا أشهدكم أنها منّي طالق ثلاثا..وقيل لرجل : قم فاصعد المنبر وتكلّم فلما صعد حصر وقال : الحمد لله الذي يرزق هؤلاء وبقي ساكتا فأنزلوه وصعد آخر فلما استوى قائما وقابل بوجهه الناس وقعت عيناه على صلعة رجل فقال : اللهم العن هذه الصلعة .
 
وكانت العرب إذا مدحت رجلا قالت عنه : ضحوك السن ،بسام الثنيات وإذا ذمّته قالت عبوس الوجه جهم المحيّا ..استعاذ صاحبي بالله من أن يكون عبوس الوجه جهم المحيّا ولكنني عندما نظرت إليه وتفرست في وجهه كان عابسا متجهما ولا بدّ أنه رآني كذلك ولكن ماذا يصنع هو وماذا أصنع أنا ؟ في عصر عبوس متجهّم محيّاه ...